نادر رنتيسي

"العمر دياب" 
كان أول شريط كاسيت أضعه في المسجلة، أبيض، كتب عليه بالأحمر الباهت: عمرو دياب. كان ذلك في العام السابع من الثمانينيات المجيدة. طفلا في الثامنة، كنت، حاولت تقليد غرة شعر الفنان الشاب، ورقصه في الاستديو. اخترت المشروب الغازيّ الذي كان يروّج له، وأحسبُ أني أتقنتُ حركاته الرياضية في أغنيته المصورة "ميّال". مرّ عامان، كبرت فيهما أكثر من عامين، فيما بقي عمرو دياب في السادسة والعشرين. كبرتُ أكثر، صرتُ فتى في الثالثة عشرة، متجهما أشتري النكد بسعره الأعلى، وعمرو دياب في السادسة والعشرين، وأيام.كيف لفتى متجهم، يقرأ سيرة بدر شاكر السياب، أن يستمع إلى مغن راقص لا يستقرّ على جهة في...

إبراهيم جابر إبراهيم

غسان زقطان.. الشاعر نجا مرَّتين!
إبراهيم جابر إبراهيم  في الشعر الفلسطيني، والعربي، يبدو غسان زقطان قادماً من منطقة أُخرى، وحده. أراه دائماً ذلك الرجل الذي لم تتّسع له اللوحة الشهيرة: يمدُّ قدمه ليخرج من الإطار. وهو أيضاً، كما قيل في شقيقه محمود درويش، لم يتكئ على فلسطين في مقولته الشعرية، وفيما ذهب إليه من أماكن ساحرة لم يطرقها شعراء سابقون، بل كان يصعد أرضه الخاصة الوعرة، متكئاً فقط على لغته المتفرّدة وقاموسه الذي ألَّفه كاملاً. وهناك في مُعتزله، حيث يذهب كل أسبوع إلى بيته الريفي، لا يجالس غسّان همومه وانشغالاته بالطريقة المألوفة، بل يستدرجها إلى تناولٍ شِعري دائماً ما يحفر في جوّانيات الواحد/ الوحيد، ويستبسل...

إبراهيم جابر إبراهيم

فن "الكلام"!
إبراهيم جابر إبراهيم ربما صار ضرورياً أن تفكر دوائر المناهج العربية بإضافة كتاب جديد ومُهمّ للكتب المدرسية والجامعية، يكون اسمه “فن الاختلاف والكلام”. ربما لم نكن قبل ذلك بحاجة إلى هذا “الكتاب”، لأن “الكلام” كان في حدوده الدنيا، ولم نكن مضطرين لتعلّم “أخلاق الاختلاف”، كوننا كشعوب لم نكن طرفاً في الحوار، ولم يكن رأينا مطلوباً؛ لكنه الآن وبعد انتشار “ثقافة الربيع العربي”، وبعد أن صار بائع الخضار محللا سياسياً بعد انتهاء الدوام، صار لزاماً علينا أن نتعلم أخلاق وفن الحوار والاختلاف والنقاش! الذي يحدث الآن على صفحات التواصل الاجتماعي، وبرامج الحوار التلفزيوني، وعلى الشريط الذي تبثه بعض الفضائيات التفاعلية، يُشعر...

نادر رنتيسي

الطبعة الثانية والثلاثون بعد الألف!
نادر رنتيسي “أحبُّكَ وهذا قدري”.. الأكثر مبيعاً. هذا عنوان كتاب من وحي اللاخيال. لا أخفي أنّي أجريتُ بحثاً متمهّلاً على غوغل لأتأكّد أنه ليس عنوان كتاب من ورق وحبر، حتى لا أفاجأ بمأمور المحكمة يطرق بابي، ويطلب منّي حضور جلسة بـ “التحقير والتشهير”. أما الأكثر مبيعاً، فهو مجرّد توقع مستنداً إلى عناوين مشابهة سوّقها الناشرون في معارض الكتب على أنها “كتاب الموسم”، و”الكتاب الذي أقلق منام العُشّاق”، و”الرفيق الطيّب” لكلّ من خانه الحبيبُ والمحبوب. أوراق صفراء سميكة، وغلاف صقيل، وصورة لشاب ينظر إلى القمر في أعلى الصورة، أو شابة متحجبة ثلث حجاب، وتضع الإبهام والسبابة على خدها، وتنظر إلى القارئ.....

نادر رنتيسي

الخامس في لعبة الطرنيب!
نادر الرنتيسي لا رسائل في بريدي، والإشعار الأحمر المُرقّم مفقود تماماً. لا امرأة تسألني عن آخر أخباري، وليس لي أصلاً أخبار ليكون لها أول وآخر. لا رجل يطلب صداقتي رغم التباين في الانتماء الكرويِّ والموقف السياسي. لا فتاة من مواليد الألفية الثالثة تسألني أن أصف لها طعم الهواء في التسعينيات. بحثتُ في البريد المُهْمَل، فلم أجد حتى رسالة خاطئة، وفي البريد المزعج، لم أجد ولو محاولة ساذجة للاحتيال. لا سيّدة وحيدة من جمهورية أفريقيا الوسطى تستدرجني، ولا فتى آسيوياً يتنمّر عليّ لأنّي لا أحبُّ المزاح. أمشي في سوق الملابس المستعملة، ولا بائع شملني بالنظر الداعي إلى دخول المحلّ للفرجة والفِصال،...

إبراهيم جابر إبراهيم

من يرث المدينة؟
إبراهيم جابر إبراهيم لم ينشغل المصريون كثيراً بالسؤال، وافترضوا بخفّة دمهم الهائلة، أن من بنى مصر "كان بالأصل حلواني"، ثم أضافوا مفسّرين "علشان كده مصر يا أولاد.. حلوة الحلوات"! وعموماً لا تنشغل المدن بمن بناها، لكنّها مثل النساء؛ كلّما امتلكت الشجاعة أكثر.. أفصحت عن "تاريخها العاطفي"! والمقصود هنا بالبَنّاء ليس بالضرورة "الأب البيولوجي" للمدينة، فهو لا يحتاج إلى ذريعة يسوقها كي يُسجّلها باسمه. كما أنه لا يحتاج إلى شهادة بما فعل.. فذلك أقلّ مهامّه شأناً.. أن يفعل ما يفعله طائرٌ صغير، يُعدّ عشّه للسكن! لكن من يبني المدينة، أي مدينة، كبُنية اجتماعية ومنظومة إنسانية وثقافية هو ذلك الذي نهضت المدينة...

إبراهيم جابر إبراهيم

طقس ملائم للعزاء
ابراهيم جابر ابراهيم إلى أين يفرّ العربي من الموت؟ الموت الذي يأتيه من كل الجهات، براً وبحراً وجواً. الموت المحمول على ظهور الدبّابات، أو المساعدات و “النوايا الحسنة”! في سورية، أو في العراق، وكذا في ليبيا، أو اليمن، لا تستطيع أن تجري “تعدادا للسكان” لأنهم يتناقصون كل خمس دقائق! لا تصل حافلة بكامل ركابها الى موقفها الأخير، ولا تهيئ عائلة طعاما للعشاء، فهي لا تعلم من سيعيش من أفرادها حتى المساء! لا يمكن لمعلم أن يكلف طلابه بواجب منزلي، ولا لعاشقة أن تعطي موعدا بعد ساعتين، ولا لنخلة أن تثق بمواسم البلح! الموت واقف على الأرصفة كأعمدة الهاتف، فضولي كالسياح،...

إبراهيم جابر إبراهيم

كذبة الشخص المناسب!
إبراهيم جابر إبراهيم كل فِعل مهما بدا لنا مدهشاً، فهو إن تكرر بالوتيرة ذاتها، يصيرُ فِعلاً رتيباً، ومملاً! كيف يمكن رمي حجرٍ إذاً في البِركة الراكدة؟ وتثوير حالةٍ من الجمود، ومحاصرة الرتابة بمزيد من الدهشة؟. هذا تقريباً سؤال جميع البيوت، واستغاثة الكثير من الأزواج والزوجات. فخلف ملايين الأبواب والنوافذ التي نظنها ترتع في نعيم الانسجام ونعمة الطمأنينة، تنشب خلافات ويندلع الضجر معبراً عن حاله بالكثير الكثير من التحرشات، وافتعال المشاكل، ويطرح الزوجان السؤال ذاته: لماذا تَغيّر؟! يظن كلاهما أنه تعرض لخديعةٍ منذ البداية، وأن هناك اختلافاً عميقاً في الأفكار ووجهات النظر وطرق التعامل مع الحياة والأفكار المُعدّة مسبقاً لتربية الأولاد...

نادر رنتيسي

لماذا أنجو في كل مرة؟!
نادر رنتيسي لم أصب بكورونا. قد تفيد هذه المعلومة بأني كنتُ رعديداً طوال ثلاث سنوات، أجلس في بيتي مثل القط المنزليّ، فلا أخرج إلاّ للضرورة فوق القصوى، مرتدياً كمّامتين، وقفازات سوداء، مضاعفاً مسافة التباعد الاجتماعي إلى عشرين قدماً، وذراع. قد تتخيلون أني كنتُ أخشى الموت كما طفل يخاف أيّ كائن غير أبويه، وهذا قد يقودكم إلى الاعتقاد بأني كنتُ أتطيّر من دق جرس الباب، فقد يكون الفيروس عالقاً في كفّ عامل توصيل الطلبات، وأني كنتُ أمسح الأسطح كما تفعل العاملات في قصر بكنغهام. أما الحقيقة أني حاولتُ الإصابة، بل استجديتُ العدوى، فعانقتُ المصابين والمصابات، وقبّلتُ المصابات، وبالغتُ في التأثر، فأبقيت...

فريهان سطعان الحسن

جائزة "أبدع".. والدور الاستثنائي
فريهان سطعان الحسن حينما يطلق الصغار العنان لإبداعاتهم؛ يعني أنهم يكتبون جزءا من سيرتهم الذاتية المستقبلية التي تؤهلهم إلى أن يضعوا أقدامهم على أولى عتبات ما يصبون إلى بلوغه يوما، فكيف إذا توفرت لهم سبل معينة تعينهم على هذه الخطوة المهمة! ليلة استثنائية مليئة بالحب والأمل، عشناها مع أطفال مملوئين بالأمل والحياة، في حفل توزيع جائزة عبد الحميد شومان للإنتاج الإبداعي للأطفال واليافعين “أبدع”، السبت الماضي، ضمن كرنفال بهيج عرضوا خلاله إنتاجهم الإبداعي في مجالات أدبية وأدائية وفنية وعلمية. بشغف وثقة عالية بالنفس، تباهى الفائزون بما لديهم من مواهب حقيقية من مختلف الأصناف؛ في المقالة والشعر، والفنون الأدائية بأشكالها، سواء...