أفكار ومواقف

“رؤيا” و”اليرموك”: تحديات التطرف ومظاهر العولمة الثقافية

خلال الأيام الماضية، انشغل الرأي العام الأردني بحادثتين. تمثلت الأولى في إغلاق قناة “اليرموك” الفضائية، التي تعمل لسنوات استنادا إلى مبررات الترخيص. فيما تمثلت الأخرى في إيقاف أحد برامج قناة “رؤيا” وتحويل إدارتها إلى النائب العام على خلفية بث القناة فقرة في ذاك البرنامج الساخر تحمل إيحاءات جنسية تتعارض مع قيم وأخلاق المجتمع، وتشكل خدشا للحياء العام، وتهديدا لثقافة الطفل وحقه في الحماية من كل ما يمكن أن يهدد سلامة بنائه القيمي والأخلاقي.
على إثر الحادثتين، اجتاحت الشارع الأردني موجة من الجدل اللامتناهي حول مبررات القرارين وسلامتهما. وامتد الجدل ليشمل إعادة طرح أسئلة أساسية، من قبيل: من نحن؟ وما هي القيم التي تتولى الدولة حمايتها؟ وما هي التهديدات التي يمكن أن تحملها البرامج الإعلامية التي تبثها القنوات المختلفة، سواء الواقعة ضمن سلطة هيئات الرقابة الأردنية على البث، أو المنتشرة في الفضاء الحر؟.. وغيرها من الأسئلة التي ما تزال تبحث عن إجابات قد لا تكون جاهزة، أو قد تتغير من وقت لآخر.
لقد كشفت الحادثتان بوضوح، وأكثر من أي وقت مضى، وجود تيارين فكريين ثقافيين متباينين في القوة، متعاكسين في الاتجاه. يرى الأول أن الثقافة المجتمعية هي ثقافة يحكمها الدين والعادات المتجانسة مع الدين والمنسجمة مع أحكامه. وعليه، فالنظرة للدولة والمجتمع ومستوى القبول للسياسات والتعاطي معها، مرهونة بمستوى التزام الأحكام والممارسات بالشريعة. وكل ما يجري قبوله خارج هذه التصورات لا يتعدى أن يكون قبولا تكتيكيا مؤقتا. على الجانب الآخر، ظهر في البلاد خلال العقدين الأخيرين تيار ينتمي لثقافة العولمة؛ يستقي أفكاره واتجاهاته وممارساته ورموزه مما تنتجه هذه الثقافة العابرة للحدود. وقد عززت وسائل التكنولوجيا والاتصال والمعرفة من تنامي هذا التيار، واكتسابه للقوة والدعم والتأثير.
ما حصل مع قناة “اليرموك” قبل أسابيع، وما يحصل مع قناة “رؤيا” قبل أيام، هو تعبير عن تبلور وصعود تيارات ثقافية جديدة خرجت من رحم الوسطية الأردنية. فلسنوات طويلة، ظل الأردن يقدم نفسه للعالم بأنه بلد الوسطية والاعتدال؛ فيه حرية المعتقد، وعلى أرضه آلاف المساجد والكنائس، كما يعيش فيه ملايين من البشر جاؤوا من كل جنبات الدنيا، فشكلوا مجتمعا يتسم بالسماحة والتقبل والوئام. ففي الأردن مسلمون ومسيحيون وسواهما، عرب وأكراد وأرمن وشيشان وشركس، مغاربة ومشارقة، بدو وحضر… ويعبر الجميع عن ثقافاتهم الفرعية من دون قيود ومحددات، حتى أصبح الأردن مثلا ونموذجا يحظى باحترام العالم وتقدير أبنائه.
اليوم، ومع تجذر تيار ثقافة العولمة واجتياحه للفضاء “السايبري”، وسهولة التقاط رموزه والتفاعل معه، وتهديد ذلك للثقافات والقيم والمعتقدات التقليدية لشعوب العالم، ظهر الاستقطاب والتوتر وبوادر الصراع الذي قد يتحول إلى عنف مجتمعي.
الحوارات التي أشعلت وسائل الاتصال الاجتماعي خلال الأيام الماضية، كشفت حجم الهوة التي تتسع بين مكونات المجتمع الذي طالما تباهى بوسطيته واعتداله. فالمئات من المعلقين على حادثة نشر “رؤيا” للمادة الفيلمية انتقدوا تصرف السلطات مع قناة “اليرموك” باعتبار ذلك انحيازا لعولمة الثقافة على حساب أصالة الهوية. لكن المسألة تحتاج أكثر من إغلاق قناة هنا ووقف برنامج هناك؛ فلا فائدة ترجى إن لم نسع إلى تعريف من نحن، وإلى أين نحن ذاهبون.

تعليق واحد

  1. ما الذي يحدث لناجميعا ؟؟!!!
    تحياتي لك دكتور صبري ،،.
    اذا الامر يتوقف على موضوع رؤيا وبرنامجها فقط فلنحمدالله الف مره …
    ما يحدث اكبر بكثيييير …
    ان دخول النت ومن ثم الفيس بوك واليوتيوب
    على حياة الجميع بدءا من الطفل انتهاءً بنا نحن الكبار قد احدث فوضى وفوضى عارمه في كل مفاهيمنا للحياه سواءً دينيه او اجتماعيه او سياسيه … فلم يعد هناك سيطره على هذا الهجوم من قبل عالم النت والفضائيات.
    فلم يعد هناك اطفال بريئين لانهم كما نتصور لانهم يملكوا هاتف مشبوك عالنت ويشاهدوا الفضائيات ولم يعد هناك استطاعه للاهل السيطره ابداً .
    لنعترف بقدان السيطره بدل ان ندعي غير ذلك .
    اما ما يثار بان هناك من يحاول اثاره الفتنه وهناك من يريد ان يدمر ويزلزل …. فانا لا اعرف كيف يتم التاكد من قبل من يفترض انهم موجودون … فانا اتصور بان البعض يتخيلهم انهم موجودون حتى يرتاح نفسيا بانه قد كشفهم وانه يدافع عن وطنه وحياته وانه انسان واعي ومدرك لما يجري…
    باعتقادي هذه حاله نفسيه انتشرت عند الكثيرين …
    انا شخصيا اريد ان اسأل من يظن ان هناك من يريد ان يشعل الفتنه و..و… وو.. اريد ان اسأله اذا كان هناك من يريد ذلك :-
    – ارجو منك ان تحدد لنا من هم هؤلاء فعلا حتى نحذرهم او عالاقل نوقفه عند عندهم فورا .
    – ما غرض هؤلاء من اشعال واثاره الفتنه .. بمعنى نريد توضيحا دقيق ومفصل .
    – هل هؤلاء مثيري الفتنه مخبولين او مجانين
    ليثيروا فتنه تقتل الجميع بمن فيهم هؤلاء مثيري الفتنه .
    واخيرا اصبحنا نخلق عوالم غير موجوده وتخيلات نظنها حقيقه تامه ..
    كل هاذا بسبب الفيس بوك والنت والفضائيات لانها سيطرت على عقول الكثيرين حتى باتوا اسيرين لها وبارادتهم للاسف .وشكرا واخيرا اتمنى ان نعود الى عالمنا السابق الخالي من كل هذه الثوره المعلوماتيه التي على ما يبدو ستقضي على الجميع بلا استثاء…

  2. الى الخلف در
    سؤال حقيقي ورائع يطرحه الكاتب .. ماذا نريد والى اين نريد ان نذهب . والواضح أن الاتجاه هو الى الوراء لأننا نريد العودة للأصول والمنابت على الأقل تلك التي نعتقد أننا نشئنا منها. تراثنا الناقة والكرم والثأر ووأد الفكر الجديد وعلينا نبذ وسائل المواصلات الجديدة والاتصالات ولبس الخيش والدشداش المصنوع من الصوف لأن خيط النايلون بدعة وعلينا العودة الى المسواك لأن فرشاة الأسنان بالبطارية عولمة وعلينا اكل العصيدة عوضاُ عن الهامبرجر التي ما هي الا رمز للفكر الغربي الاستبدادي الذي يريد تحطيم تقاليدنا ومطبخنا الأصيل.. ماذا نريد يا ناس.. نريد الغاء العقل بفرمان رسمي وشطب مفاهيم اي فكر او اختراعات وصلتنا بعد القرن السابع الميلادي ..هنيئاً لنا .. الجنة لن يكون فيها آي فون ولن يكون فيها هامبرجر ولن يكون فيها تلفزيون ولا راديو .

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock