أفكار ومواقف

ربما .. “بلا ولا شي”!

 


كان كثيرا ما يقول لي مداعبته الأليمة: يوماً ما يا ابراهيم سيصير عمرك سبعين عاما، وستجلس تحت شجرة في حوش بيتك، تسعل بشدة، وينقطع نفسك، وأكبر همومك ساعتها أن يردّ عليك واحد من احفادك الذين يتنطّطون كالسعادين، ويقلب “الحفّاية” التي ما تزال منذ ساعتين تنادي على واحدٍ يقلبها!


لكنه رغم ذلك كان يُسرّ لي كثيراً، في أعوامه الأخيرة، بشعورٍ ما بالندم أنه لم يتزوج ولم تكن له امرأة وأولاد وبيت. كان كبرياؤه أو ربما خجله، وطمليه كان بالمناسبة خجولا جدا، يمنعه من قول ذلك مباشرةَ، فيقوله بشكل موارب، لي ولناصر (الجعفري)، حين نتبادل الشاي والدخان في الصباح الباكر، لكنه مرةً قالها لي بشكل مباشر وفجّ؛ وأنه قضى العمر هكذا هراءً أو (بلا ولا شي) على رأي زياد الرحباني!


لم تكن النجومية لتكفي رجلاً أن لا يموت من البرد آخر الليل، حين لا امرأة تتناول غطاء إضافياً تفرده عليه وتلملمه جيداً عند أكتافه، ولا طفلةً تناوله حبّات الدواء مع نظرات عينيها اللتين، (لا يمكن أبداً لأحدٍ وبأي لغةٍ أن يصف عيني ابنةٍ حنونةٍ تناول والدها الدواء)، ولم تكن تعليقات ورسائل وهواتف القراء والقارئات، والمعجبين والمعجبات، والعاشقات، لتغنيه عن فرحة الصباح العائلي في العيد!


لم يكن محمد سعيداً على كل الأحوال!


والسذّج فقط هم الذين يعتقدون أن تعليقات مائة امرأة جميلة على مقالة أهم من صحن باميا في حضرة زوجةٍ مخلصة وأولادٍ يلثغ صغيرهم بملعقة الأرز!


يوماً ما سينتهي مهرجان “الأنا” المنتشية بذاتها، وينصرف القراء إلى نجمٍ شابٍ جديد، وعليك أن تلمّ أوراقك وأرقام الهواتف والإيميلات والهدايا الصغيرة والهمسات الساخنة الكثيرة، وتروح تطرق باب بيتك لتجلس في الشتاء بجانب صوبة الكاز تضع جراباتك المبللة على حوافّها لتجفّ، وتجيؤك الزوجة بكأس ميرمية دافئ مع حبّات “الضغط والسكري والتهاب المفاصل”، وتجلسُ تطبطبُ على ظهرك كأمّ وتتمتم بقليلٍ من القرآن!


ربما يفاجئك فؤاد أبو حجلة زائراً، بالشماغ ملفوفاً على رأسه وبعكازه الذي يخطئ الطرقات، وتجلسان تتحدثان عن زمان، وعن الحكومة التي شكلها قبل ساعات زيد الرفاعي الحفيد، وتسأله عن أخبار “مفلح العدوان” فيقول لك بلهجة نعي: المسكين مضيّع وما بيعرف اللي بيزوره! ثم يدسّ يده تُقلّب في جيبه ليخرج مسبحةّ يمدّها وهو يقول: بعثتها لك معي بسمة النسور عادت أمس من العُمرة، أو تروح أنت تبحث عن دار المسنّين وقد كتبت اسم “جمال ناجي” على ورقة صغيرةٍ لأنه لا قدرة لك أن تردّ على كل موظف يسألك: جاي تزور مين يا حاجّ؟!


هي الولائم الذهنية التي نعرف جميعاً أنها تُبيت ضدنا الآن، ونُصرّ أن لا نراها!


ربما اننا نؤجل ما أمكننا اعترافنا بخديعة العمر وشهادات الميلاد، لكي ندوخ طويلاً بالتصفيق، وبمهرجان العواطف، واحتفال القارئ بصورة الكاتب!


ونؤجل ما قدرنا إنهاء ضحكةٍ صاخبة، وحديثٍ ودود، وأغنيات كثيرةٍ في البال!


ونؤجل ما استطعنا بيوت العزاء التي ستشهد نقاشات سخيفة أحياناً: من سيأخد الجاكيت البنيّ للفقيد، ومن سيأخذ السيارة الثانية، وحتماً ستختلف امرأتان على من كان يكتب لها اكثر.


ربما يُعلّقُ على هذه المقالة شابٌ يساري مندفع فيقول إنني تقليديٌ وأشبه زوج خالته أستاذ العربي، وربما تقول صبيةٌ باستهجانٍ وترفّع: ترك محمدٌ من القصص والمقالات ما هو أجمل من الاولاد وأجمل من كل الزوجات العالقة بهن رائحة البصل!


نعم هذا حقيقيٌ تماماً، وأجمل بكثير لهذه الصبيّة،(هل تفهمني يا نادر الرنتيسي)، لكن “مكتبة الإسكندرية” كاملةً لا تساوي أنه ترك بيتاً فارغاً من رائحته واسمه حين غادر!


ذلك المشوار الوحيد الذي حتماً لن يفكر أحدٌ أن يقترب من جسدك البارد ليوشوشك: انتظرني سألبس كندرتي وأجيء معك!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تحية طيبة
    مقالة جميلة أشكرك على المتعة التي استشعرتها وأنا أقرأها.غير أنك جعلت الرعب يتسرب إلى أي قاريء لم يتزوج بعد.وأشعر أنك أقحمت قصة محمد طملية الخاصة في المقال،وودت أن أتمنى لو لم تطرحها.فالرجل بين يدي الله تعالى أولا، ثم إن حياته شأن خاص وشخصي،أحسب أنه لا يجوز أن يعرف جميع الناس أنه لم يتزوج،ولم يترك رائحة أبوية عند وفاته.
    أشكرك وأتمنى لك أوقاتا سعيدة

  2. أسرة الغد في عين (الغد)
    وها أنذا أرى السيد رئيس التحرير "موسى برهومة" جالسا على عتبة الدار مرتديا "دشداشته" البيضاء، وقد وضع أمامه ابريق شاي اصفر نحاسي عملاق، يرد التحية على طلاب متوجهين الى المدرسة بعبارة ( هلا عمي … تفضلواااا).
    وأرى رئيسة القسم الأقتصادي السيدة "جمانة غنيمات" متسمرة أمام صوبة الغاز، ويداها تتحرك بخفة اثناء حياكة لفحات صوفية لأحفادها، وقد وضعت بجانبها "حصالة" حديدية لتدخر فيها المال لهم.
    وأرى نفسي اصعد درج العمارة التي يسكنها الحاج "ابوسليم"، "نادر الرنتيسي" ملبيا دعوته لي في أحد الرمضانات لتناول طعام الأفطار في معيته، فأول ما يعبق أنفي عند باب البيت رائحة (قدحة الثوم) فأسال نفسي: لماذا تعبق بيوت المتزوجين سحب (قدح الثوم) و(قلي السمك) بعد أن كانت تعبقها العطور الفرنسية؟، ثم تفاجئني هيئته (بدشداشته الأوف وايت) ونظارته العظمية وطاقيته الصوفية السوداء حاملا في يمناه كتاب (رياض الصالحين) بدلا من ديوان "دروش"، ومشيرا الى الصالون بيسراه في دعوة منه الي للدخول
    وأرى الكاتب "هاني البدري" يغادر صلاة الفجر بصحبة اصدقائه "الحجاج" يناقشون أمور الساعة ويتسألون ( الفطور اليوم على مين بعد صلاة الضحى)!!
    وأرى الأديبة "بسمة النسور" تتوجه الى المسجد برفقة صديقتها الحاجة "ام يسري" للالتحاق بالدرس الذي تلقيه الواعظة "ام محمود" كل يوم بعد صلاة العصر
    وأرى نفسي أطل برأسي من النافذة لأسال الحاج "ابو جابر" الكاتب ابراهيم جابر عن سبب خروجه من منزله باكرا ببذلته السفاري الزرقاء، متأبطا "فايل" بني اللون فتأتي الإجابة ( الله يسعد هالصباح…عندي مراجعة في المركز الصحي، خلينا نلحق دور)
    وأرى رئيسة الموقع الألكتروني السيدة "لارا ايوب"والتي كانت يوما ضليعة في (التكنولوجيا) تضع نظارتها امام عينيها في محاولة منها لقرأة اسم المتصل الذي أخذ يضيء على هاتفها النقال، وتضغط بسبابتها على الأزرار حتى تكاد تثقبها، ثم تنادي أحد أحفادها مستسلمة قائلة له ( يا عمي كيف بشتغل هاد)!!
    شكرا للكاتب ابراهيم جابر ابراهيم على هذا المقال الرائع

  3. العزيز إبراهيم
    أبدعت كعادتك أستاذ إبراهيم، وأود أن أنتهز هذه المساحة في ذيل مقالتك الجميلة لأعبر لك عن مشاركة العزاء بوفالة والدك، وقد فاتني ذلك خلال الأيام الثلاثة لأسباب قاهرة.
    كنا نتمنى رؤيتك، لكن دائماً وانت في خير حال
    أخوكم
    محمد أبو رمان

  4. ……..
    شكرا عميقاً للطيف مشاعرك عزيزي د. محمد ، آملاً أن تكون دائما بخير وهناء بال .
    واسلم أخا وصديقاً.

    ابراهيم .

  5. و هل يشيخ الخيال ؟؟
    ابراهيم .. بصراحة أشعر أن اللغة أصيبت بالجلطة فكتمت نفسي و كممت أنفاسي بعد ما كتبته هذا الصباح .. خيالك طبق مقبلات شهي يقضي على الجوع و يحسر النفس على الطبق الرئيسي القادم حيث لا شهوة !! أتمنى أن لا يصدق تنبؤك بالمرة .. أتمنى أن تستحق شيخوخة (فاضلة) و صحة تعينك على القراءة و الكتابة والخيال الذي لا يشيخ أبدا .. شكرا رغم أن جملتك الأخيرة أوجعتني و أدمعت عيني.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock