ترجمات

ربما قتل ترامب البغدادي، لكنه أعاد “داعش” إلى الحياة

روبرت فيسك* – (الإندبندنت) 1/10/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في العادة، يكون الرب قد أعطى والرب أخذ. لكن الأمر كان عكس ذلك في البيت الأبيض السماوي في نهاية الأسبوع قبل الماضي. فقد تقمص ترامب دور الرب وأخذ حياة أبو بكر البغدادي، ثم أعاد الحياة إلى “داعش” من خلال إخبارنا جميعاً بأنه كان قد وعد بإرسال القتلة الناجين من أعضاء التنظيم إلى حدود المملكة المتحدة والدول الأوروبية الأخرى.
لكَم يجب أن يكون فتيان “داعش” قد ضحكوا لدى سماع هذا العرض! لكَم يجب أن يكون رفاقهم الذين ما يزالون ينضجون داخل حدودنا قد تشجعوا من هكذا اقتراح. لقد احتدمنا غضباً، ولسنوات، ضد عقيدة “داعش” الشريرة. لكننا لم نحسب حساباً لعقيدة ترامب.
صحيح أن جنون ترامب الخاص ليس مكلفاً بنفس المقدار حين يتعلق بحياة الأبرياء مثل جنون “داعش” (ما لم تكن بالطبع فلسطينياً أو كرديًا أو واحدًا من 60.000 سجين سياسي لدى السيسي). وبالنظر إلى أن الأميركيين والروس قد ادعوا مراراً بأنهم قتلوا البغدادي من قبل، فقد يكون من الحكمة أن ندع الثلاثة أيام القانونية تمر خشية أن يظهر الرجل البائس على شريط فيديو آخر فقط. لقد قتلنا أسامة أربع مرات قبل أن ننال منه حقاً، كما قد تتذكرون.
ولكن هذه المرة، وصل الأمر بترامب إلى أن يشكر روسيا وسورية والعراق -سورية، ربما، تعني نظام الأسد؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكد أن هناك شيئاً ما ستتم مناقشته في القصر الرئاسي في دمشق، الذي كان جيشه يقاتل “داعش” -من بين العديد من الآخرين- لسنوات أكثر من الجيش الأميركي.
ولكن، أن يقول ترامب إن دعم الدول الأوروبية كان “خيبة أمل كبيرة” لأنهم لن يستردوا أعضاءهم في “داعش” وأن يضيف: “لقد قلت لهم بالفعل، إذا لم تأخذوهم، سوف أقوم بإسقاطهم مباشرة على حدودكم ويمكنكم الاستمتاع بالإمساك بهم مرة أخرى… يمكنهم أن يعودوا مشياً على الأقدام -وإنما لا يمكنهم المشي إلى بلدنا. لدينا الكثير من المياه بين بلدنا وبينهم”.
حسنًا، لم يكن هذا غرائبياً فقط أو غريباً أو مجرد لغة مكانها مستشفى مجانين، ببساطة. كان ذلك حافزاً حقيقياً للناجين من “داعش”. وإذا كان ذلك يشبه “مشاهدة فيلم”، فكان يجب بالطبع أن تكون لدينا لمسة ترامب الهوليودية.
ومن المؤكد بما يكفي أن ترامب أخبرنا بأن البغدادي “مات مثل، مات كجبان… وهو يبكي وينشج ويصرخ”. حسناً، ربما. يبدو هذا أشبه بكيف يموت الأطفال. أولاده الثلاثة، حتى نكون دقيقين. من الصعب بعض الشيء رؤية البغدادي وهو يبكي ويصرخ في نفقه الذي يُفترض أنه بـ”طريق مسدود” بينما يتحسس حزامه الانتحاري (وهو ما يثبت، بالطبع، أنه كان يخمن دائماً أن الولايات المتحدة ستأتي لا محالة). أما بالنسبة للادعاء بأن العالم “أصبح الآن مكانًا أكثر أماناً”، فلننتظر ونرى. فهذه الجماعات العقائدية الإسلامية عادة ما يكون لها قائد متكوِّن في طور اليرقة، والذي ينتظر أن يأخذ مكان الميت. أو حتى نسخة أسوأ من سلفه من ابتكاره الوحشي الخاص.
كالعادة، سوف يتعيّن علينا أيضاً الانتظار بضعة أيام أخرى لمعرفة عدد الأبرياء الآخرين الذين قتلوا في هذه الغارة. كانت الإشارة إلى أنهم كانوا جميعاً من أعضاء “داعش” هي، أيضاً، قصة هوليودية بعض الشيء.
ولكن، كونوا على يقين من شيء واحد، سوف تتغير القصة الأصلية لغارة البغدادي. سوف نعرف المزيد. هل كان هناك تورط إسرائيلي؟ ما مقدار المساعدة التي قدمها الروس؟ أو السوريون؟ أو الأكراد؟ أو ربما حتى “داعش” نفسه، إذا حدث أنهم سئموا من قيادتهم غير السارة على الإطلاق؟ أو مجرد شخص ما أراد الحصول على مكافأة الـ19.5 مليون جنيه إسترليني…
لكن ترامب أصبح يشعُّ مثل هالة من الضوء في الوقت الحالي في أعين أنصاره الجمهوريين. إذا كان جيشه -وتذكروا، بالنظر إلى دعم الجيش نفسه لترامب، أنه يمكن أن يكون جيشه- يستطيع أن يقتل الإرهابي المطلوب أكثر ما يكون في العالم، فما هو كل هذا الهراء عن الإقالة الذي يصدر عن أعداء أميركا الديمقراطيين الداخليين؟ كيف يمكنكم مقارنة قتل البغدادي وجعل العالم أكثر أمانًا بكل هذا الصخب المحيّر عن أوكرانيا؟
كما أنه ترامب استطاع أن يشاهد كل ذلك تقريباً حياً على الهواء مباشرة. مثلما شاهد أوباما مقتل أسامة. حسنا، في عصر تستطيع أن تبث فيه مصارع الأبرياء حياً على الهواء مباشرة، ربما تكون السلوى في أنهم نالوا من الأشرار على الأقل.

*صحفي بريطاني شهير يكتب لصحيفة “الإندبندنت”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Baghdadi May be Dead, But Trump has Brought ISIS Back to Life

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock