أفكار ومواقف

ربيع الفلاحين

لا توجد ارقام دقيقة حول أعداد صغار المزارعين المطلوبين للتنفيذ القضائي ، وكم حجم من نالهم العفو الاخير، ولكن المشكلة القائمة في استمرار تدهور احوال عشرات الآلاف من الاسر نتيجة التراجع الحاد الذي شهده هذا القطاع سواء في الاغوار وفي وادي الأردن وفي المحافظات ذات الطابع الزراعي، فالحاجة اليوم إلى ادوات تكيف جديدة تأخذ بعين الاعتبار كيفية استثمار الاجواء السياسية الجديدة وتحديدا مع الحدود الشمالية والشرقية وذلك من خلال سياسات تكيف على شكل حزمة من الاجراءات التي تدعم تعافي هذا القطاع واستعادته لدوره في وقت سريع .
كان جلالة الملك قد دعا حكومة سابقة في العام 2009 أن تطلق جهودها لاستعادة القطاع الزراعي واعتبر ذلك العام عاما للزراعة ومحطة انطلاقة في هذا الاتجاه، نعلم تماما أننا في ذلك الوقت دخلنا في موجة عنف مجتمعي وبعدها بقليل دخلنا في زمن الربيع العربي، ولم يسأل احد عن انطلاقة الزراعة وربيع الفلاحين منذ ذلك الوقت ، المبادرة الملكية حينها كانت تقرأ جيدا آليات التحولات الاجتماعية الاقتصادية وقصص النجاح في العالم وتدرك تماما أن الزراعة والعودة لقيم الانتاج لا تقل اهمية عن التحول التكنولوجي ولا عن زراعة الصفوف بالحواسيب .
لا يستغرب أحدكم أن البلاد التي تحتاج اليوم إلى منظور خلاق لاستعادة الناس للأرض؛ هذه البلاد ذاتها شهدت ميلاد أوائل القرى الزراعية في العالم ، وعلى هذه الأرض شيد أول سد مائي في التاريخ في جاوا. وبالقرب من وادي رم ثبت علميا وجود أقدم مزرعة للزيتون في التاريخ؛ وكل هذه المفارقات والكلام لا يفيد اذا ما وفرنا ارادة سياسية متصلة ببرامج خبيرة وواقعية تعمل بسباق مع الزمن ؛ بعد أن تراجعت الرقعة الزراعية في الأردن ووصلت إلى اقل من 3 % من مساحة الأردن بمعنى إنها قد تراجعت 30 % خلال آخر عقدين، وبعد ان أثبتت الأرقام الرسمية حجم الفجوة والانكشاف في الأمن الغذائي الوطني .
المحصلة ان الزراعة في الأردن قد تحولت نتيجة سلسلة من تراكم السياسات المتناقضة، وعدم وجود رؤية واضحة وحكيمة لإدارة الموارد المحدودة إلى مجرد قطاع خدمات وعالة على الاقتصاد والمجتمع، ومجال محدود لاستثمارات احتكارية تعتمد على العمالة الوافدة؛ بعد أن تم تفريغ هذا القطاع بالتراكم وعلى مدى ثلاثة عقود مضت من المضمون الاجتماعي في العمل والإنتاج والقيم، وهو الأمر الذي يختتم اليوم بمشهد نهاية الريف الأردني، حيث تم تعرية الأمن الغذائي الأردني على مدى السنوات الماضية ضمن دراما اجتماعية واقتصادية يندر وجود مثيل لها، ويكفي ان نذكر ان معدل إنتاج الأردن من القمح سنويا يكفي لاستهلاك الأردنيين لمدة ستة أيام فقط.
القطاع الزراعي يحتاج الى سياسات حماية ودعم ، والى رؤية تعيد الناس وتحديدا الشباب الى الارض الى بناء رؤية وطنية لقطاع اعمال زراعي يقوم على الاستثمارات الصغيرة يديرها الشباب واتاحة الفرصة امامهم للابتكار والريادة في هذا القطاع وتوفير الدعم الملائم لهم ، في معظم دول العالم يدعم هذا القطاع ؛ البقرة في اوروبا تحظى بدعم 2.5 دولار يوميا وفي اليابان تدعم 7.5 دولار يوميا .
إن الأمن الغذائي للمجتمع الأردني مهدد، ويشهد في هذه الفترة حرجا حقيقياً وبالغ الخطورة ، في ضوء الحلول الآنية والتوازنات الهشة التي تدار وفق رؤية ضيقة لمفهوم اقتصاد السوق ، وبعيداً عن توظيف مسألة الأمن الغذائي في السجال السياسي الذي لا يتوقف، يجب الانتباه إلى خطورة التوازنات الهشة السائدة اليوم في ملف الأمن الغذائي الأردني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock