رأي في حياتنا

رجل “ستي مول”

لم يكن غريبا أن يظهر هذا الرجل في أحد الفيديوهات الترويجية للأردن، كواحد من أبرز الوجوه التي تعكس صورة وطننا في الخارج. لا لشيء سوى ابتسامته، التي يمكن وصفها بالساحرة وهي تخترق القلوب وتأسرها بعفويتها.
هذا الرجل الذي ربما تجاوز الستين من عمره، يعمل في حراسة أحد مخارج موقف “ستي مول” بعمان. لكنه واحد ممن ينثرون فرحا مجانيا صادقا وعميقا، بسبب بساطته وتلقائيته التي قلما نجدها في هذه الأوقات التي نعيشها، وفي خضم كآبة تخيم علينا!
تعتري ملامحه تلك الابتسامة الجميلة، التي لم أر مثلها من قبل؛ يهبها لكل من يمر بجانبه، بحب ومودة وإنسانية خالية من أي منفعة، ترافقها حركته التلقائية برفع يده، مودعاً جميع من في المركبة، فيردون عليه السلام باستغراب أحيانا، وبتقدير كبير في أحيان كثيرة.
ابتسامة عريضة تخرج من قلبه، فيضفي على الحياة أملا، لكأنه يقول للجميع، من دون كلمات: “ابتسموا من قلوبكم.. فالحياة جميلة وفيها فرح كثير”.
مثل غيري، التقي به باستمرار. بل أحيانا أتعمد الخروج من المكان الذي يقف عنده، لاستمد من عينيه الأمل، والتفاؤل الصادق من تعابيره الصادقة التي تلاقيني باستمرار، لاسيما حين يقول لي: “بأمان الله عمو”. وافتقد هذا الرجل حينما لا أجده في المكان الذي اعتدت أن أراه فيه، واشتاق للحظة ابتسامة لا تكلف شيئا، لكنها تزيد من سعادتنا وبهجتنا!
رجل الابتسامة في “ستي مول” ربما لا يدرك هو ذاته الأثر الذي يتركه في نفس كل من يمر من جانبه. فهو، أساساً وقبل كل شيء، يعبر عن جمال روحه التي تشع على الجميع من حوله.
فابتسامته تلك، تؤثر في نفوسنا، ولربما عاداتنا وتعاطينا مع بعضنا بعضا. تجعلنا ننظر إلى أنفسنا ونتساءل: ما الذي يرضينا، ونحن الذين نملك أشياء كثيرة، لكننا قد لا نشعر بقيمتها ولا نقدر وجودها في حياتنا؟ فيما هذا الستيني لا يملك -على الأغلب- الكثير من ماديات هذه الحياة، ومثقل بهم العيش وصعوبته، لكنه سعيد راضٍ، وفوق ذلك ينثر حبه وفرحه على من حوله من أناس، ربما لن يراهم سوى مرة واحدة في حياته، ولن يروه هم ثانية!
كم من أشخاص يرتبطون بذاكرتنا، ولهم مكان أبدي في تفاصيل أيامنا، بسبب ابتسامة، كانت حتما مفتاحا لأبواب الحب والسعادة؛ ابتسامة خرجت من القلب، فبنت جسرا للوصول إلى الآخر، أساسه الألفة والحب! نقيضاً لوجوه يعتريها الجفاء كأنها بلا دم أو روح.
نعيش في أوقات صعبة. ربما أكثر ما نحتاجه فيه مشاعر صادقة تخرج من القلب، تذكرنا بإنسانيتنا في غمرة ما نشاهده حولنا من مظاهر تخلو للأسف من الإنسانية!
ابتسموا.. علّكم تخففون من صعوبة الأيام ووطأة الحياة. اجعلوها بلسما ودواء يخفف من أوجاع ترافقنا. وهي لن تكلفكم شيئا سوى كثير من الصدق والأمل والفرح والبهجة التي تصنع لكم الحياة.
دعونا نترنم بضحكة حقيقية تخرج من القلب.. لنعيد للحياة ولو قليلا من روحها التي تذبل يوما بعد آخر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock