آخر الأخبار حياتناحياتنا

“رحلة ابن فضلان”.. الغوص برسالة الرحالة في التواصل الحضاري والثقافي

عزيزة علي

عمان- بدعم من جامعة جدارا، صدر للدكتورة خولة شخاترة كتاب بعنوان “رحلة ابن فضلان- التواصل الحضاري والثقافي”، عن “الآن ناشرون وموزعون”.
وحول الجديد الذي يطرحه هذا الكتاب عن رحلة ابن فضلان تبين شخاترة في تصريح لـ “الغد”، أن “رحلة ابن فضلان”، هو جزء من كتابات كثيرة حول هذه الرحلة وأهميتها وانتشارها، لكن الكتاب توقف عند رحلة ابن فضلان بوصفها رحلة رسمية وليست رغبة شخصية لابن فضلان تمت بتكليف رسمي من الخليفة المقتدر واستجابة إلى طلب ملك الصقالبة “ألمش بن يلطوار”، بهدف التحالف مع دولة ضمن التحالفات التي كانت تجرى بين الدول في ذلك “النظام العالمي القائم آنذاك”، وكانت في غاية السرية.
تضيف المؤلفة، غلفت هذه الرحلة بإطار التعاون الثقافي الديني الحضاري “نشاط دبلوماسي”، إذا جاز التعبير. لأن دولة الصقالبة كانت تواجه خطر مملكة الخزر اليهودية وربما هذا هو الجديد الذي خلص إليه الفصل الأول، الا أن ابن فضلان تجاوز مهمته الرسمية فروى مشاهداته الخاصة مع الحفاظ على مهمته “الدبلوماسية”، التي انتقاها بعناية في بلاد الترك والروس والصقالبة، ضمن قالب سردي اختاره؛ لهذا نالت حظا وافرا من الاهتمام في الثقافة العربية وفي الاستشراقية.
وتنوه شخاترة إلى أن د. عبدالنبي اصطيف أحصى المواد الببليوغرافية لهذه الرسالة التي بلغت بين عامي 1794 – 1971 اثنين وأربعين وألف مرجع بين مخطوطات وترجمات باللغات: الإنجليزية، والنرويجية، والدنماركية، والروسية، والفرنسية، والإسبانية.
وفي كلمة على الغلاف تبين أن هذا الكتاب يصنف الرحلة ضمن “العمل الأدبي”، ويدرسها تحت ما يسمى “أدب الرحلة”، كما يتضح في نماذج الرحلة التي زخر بها التراث العربي، والتي تشير إلى قدرة القاص وإبداعه؛ لأن الرحالة يسرد تجربته الخاصة مع الشعوب والبلدان التي يزورها أو يمر بها، فيصف ما يراه، ويشغل وصفه مساحات واسعة من الرحلة، ثم يعمد إلى سرد رحلته بوصفه بطلا لها، مكتشفا، وساردا في الآن نفسه. يضاف إلى ذلك أن الرحلات كانت تتضمن الكثير من المعارف والاكتشافات التي دون فيها العرب ملامح الشعوب الإنسانية والاقتصادية والمعمارية والجغرافية والثقافية، في البلدان التي زاروها أو حلوا فيها وأقاموا.
وفي مقدمة الكتاب تقول د. شخاترة إن الكتاب يدرس التواصل الحضاري والثقافي في رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة، بالاعتماد على كتب سابقة تم نشرها في أوقات مختلفة، مبينة أنها عادت مرارا وغير مرة إلى مواطن عدة من هذا الكتاب.
وتضيف المؤلفة أن كتابها يتألف من مقدمة وتوطئة وثلاثة أقسام وخاتمة، لافتة إلى أنها تجيب في المقدمة عن سؤال: “ما الذي دفعني للكتابة عن رسالة ابن فضلان؟”، فيما تناولت في التوطئة “الرحلة والبحث عن آفاق جديدة”: الرحلة على إطلاقها: أغراضها ودوافعها وأهدافها التي تتجاوز في بعض الأحيان الترحال، أو السفر إلى الفضول المعرفي، والاكتشاف، والتعرف إلى الآخر، مع التوقف عند بدايات العمل السفاري في الدولة، مثل رحلة ابن المنجم زمن الخليفة الواثق.
تقول شخاترة انتقلت في الفصل الأول إلى “رحلة ابن فضلان عملا سفاريا”، حيث ناقشت فيه بداية أهمية هذه الرحلة بوصفها – نقلة نوعية- إذ تعد بحق أهم الرحلات في التراث العربي التي وجهت الأنظار إلى التاريخ السياسي والاجتماعي، فهي ذات أهمية علمية في التاريخ وعلم الإنسان والمظاهر المادية للنشاط الإنساني لهذه الشعوب، مثل: العادات والتقاليد في الأكل والشرب والملابس.. وغيرها، لشعوب روسيا على نهر الفولغا وبحر قزوين، وما جاورهما في تلك المرحلة، وهو تاريخ مغيب عند الأوروبيين، على الرغم من أن الرسالة توثق رحلة الذهاب ولم تصل إلينا رحلة العودة. وتوقف الفصل عند رحلة ابن فضلان بوصفها عملا سفاريا عربيًا أسلاميًا، وما رافق هذه البعثة من جدل وأخذ ورد؛ فقد سيرت في ظروف بالغة الصعوبة داخل دولة الخلافة، ثم إلى الحديث عن صعوبات الرحلة التي تمثلت بصعوبات داخلية: كالتمويل، والإعداد المُسبق، أما الصعوبات الخارجية، فانحصرت بقسوة المكان، وخطورة الطريق، ثم انتقل إلى التجاذب بين مرجعيات الرحالة ودواعي الرحلة “ابن فضلان بين عالمين”، وابن فضلان سفيرًا. والرحلة لها هدف إقامة تحالف بين دولة الصقالبة والخلافة.
وتناولت المؤلفة في الفصل الثاني مُشاهدات ابن فضلان في بلاد الترك والروس والصقالبة والخزر، الآخر في مرآة الأنا، مع العلم أنه لم يذكر لنا أنه زار بلاد الخزر، لكن هذه الأخيرة حاضرة في رحلته، وانتقل إلى التجاذب بين مرجعيات الرحالة ودواعي الرحلة، فتوقف عند مشاهدات ابن فضلان خلال رحلته الممتدة: الآخر في مرآة ابن فضلان والمختلف في مشاهدات ابن فضلان، الجانب الحضاري، وتمثلت في: ملامح من معتقدات الشعوب، إذ حرص على بيان أهم المشاهدات التي وثقها ابن فضلان وعاينها ورآها رأي العين، وما رافق هذه المشاهدات من حوار وتبادل للآراء، ولم يكن جدالا بأي حال من الأحوال، بل أقرب إلى التواصل مع هذه الأمم، لتوضيح موقف أو إجابة عن سؤال، اتضح من خلالها ديانة هذه الشعوب ومعتقداتها الدينية، وتوقف عند حرق الموتى، وهو جزء من الاعتقاد الديني عند الروس آنذاك.
وتبين أن هذا الفصل درس ملامح من النظام الاجتماعي مثل: النظافة، وآداب الموائد، والزواج، وحضور المرأة والاختلاط، وطقوس المرض ودفن الموتى، سواء أكانوا من بقي على دينه، أو ممن اعتنقوا الإسلام، وملامح من النظام السياسي، وتقاليد هذه الأمم في الحكم وأنظمتها المختلفة.
ويتوقف الكتاب كما توضح المؤلفة عند خطاب الرحلة، الذي درسته رسالة ابن فضلان بوصفه نصاً أدبياً له خطابه الخاص به.
وتبين شخاترة ان الرحلة ليست كتاباً جغرافياً خالصاً، ولا كتاباً له طابع معرفي، ولكنه انحاز إلى تصنيف الرسالة بوصفها نصا أدبياً، فدرستها على هذا الأساس، ثم انتقلت إلى دراسة الرسالة، التي قسمتها إلى قسمين: القسم الأول: الرسالة الإطار: ويضم هذا القسم رسالة ملك الصقالبة وردة فعل الخلافة على هذه الرسالة.
أما القسم الثاني: فيقصد به ما تضمنه من مادة، أي الرحلة بكل ما فيها من سفر، وارتحال، ومواجهة مخاطر، وما تخللها من حكايات صغرى، شكلت متن الرسالة. ثم درس هذا الفصل سردية المكونات، ثم انتقل إلى بنية السفر، وإلى الرحلة والتجربة التي درس من خلالها بعد الذات، وبعد الشخصية، وبعد الفضاء.
ويذكر أن الدكتورة خولة شخاترة حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب والنقد من جامعة اليرموك في الأردن في العام 2000، وعملت أستاذًا مساعدًا وأستاذًا مشاركًا في جامعة جدارا، ثم رئيسًا لقسم اللغة العربية فيها بين العامين 2014 و2016. ولها عدد كبير من البحوث المحكّمة إضافة إلى ثلاثة كتب صادرة هي: “بنية النص الحكائي في كتاب الحيوان للجاحظ”، “الخبر عند المحسِّن التنوخي بين القص والتأريخ”، “معجم الكُتّاب من العصر الجاهلي إلى نهاية العصر المملوكي”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock