ثقافة

“رحلتي.. موجة من بحر جيلي”.. يوثق تجارب فلسطينية اكتوت بأهوال النكبة

عزيزة علي

عمان- صدر عن الرعاة للدراسات والنشر، وجسور للنشر والتوزيع، في عمان، كتاب بعنوان “رحلتي.. موجة من بحر جيلي”، للكاتب سامي الصعيدي، يوثق فيه جزءا مهما من مرحلة مهمة في حياته.
يهدي الصعيدي كتابه “الى الفدائيين وخاصة المجهولين منهم، والمناضلين والأسرى وخاصة المنسيين منهم، وإلى أولئك الذين فرشوا أرواحهم ومعاناتهم لنا؛ لينمو وعينا وتنبت طاقاتنا لنحاول من جديد، وإلى كل طفل وطفلة، وشاب وشابة، ورجل وامرأة من الأجيال المقبلة”.
يستعرض الصعيدي في فصول كتابه عن بداية الرحلة، والطفولة بين براثن النكبة، وتفتح الوعي على رحلة الخلاص، وآمال الصبا، وتدافع خيارات المستقبل، وقيود المعتقل.
وكان قد أشار الصعيدي، في حفل توقيع لكتابه في فلسطين إلى “أن كتابه ليس مجرد سرد لتجربة شخصية لا تعني إلا كاتبها، ولا محاولة لكتابة سيرة ذاتية لعرض خبرة إنسانية ذات مغزى، بقدر ما هي محاولة لتقديم نموذج من تجارب جيل اكتوى ميلاد وعيه بأهوال النكبة، وتعمد بناء هويته بكفاح أهله وشعبه”.
وأوضح أنه يتحدث هنا عن جيل عمّر قلبه بالأمل، وتسلحت روحه بالثقة، فامتشق قدراته وأقدم لا يساوره الشك بقدرته على الانتصار.
وقال “بما أن كل جيل هو ملك للأجيال التالية، فإن المسؤولية أن نحاول نقل الأحداث كما هي بخلاصتها وعبرها كما فهمنا واستخلصنا الى الأجيال المقبلة لتشق طريقها ولتبدع وسائلها حسب مقتضيات واقعها وآفاق مستقبلها التي تشكلت بناء على دروس الأجيال التي سبقتها”.
تحت عنوان “لماذا رحلتي؟”، يقول الصعيدي إنه وهو يكتب في هذه الرحلة “كان يشعر بمتعة خاصة وبمسؤولية عميقة في آن معا، المتعة في استعراض رحلة تقارب السبعة عقود استعرضها دفعة واحدة وفي مشاهدتي وأنا أعبر عبر مراحلها المختلفة، أحاول، فأخطئ، فأتعلم، وأصيب فأنجز، أواجه العقبات والصعوبات فأجد سبيلا لتجاوزها، أحقق النجاحات، وأصيب الأهداف فأتقدم بثقة أكبر نحو أهداف جديدة تفتح أبوابها ما تحقق من إنجاز”.
ويتابع: “المتعة الأكبر في تأمل الدروس والعبر خلف الأحداث، ذلك التأمل الذي يأخذني بعيدا لمحاولة فهم ما وراء جلبة الحياة، وما في عميق بحرها المتحرك المتغير، بحثا عن المعنى الأبعد للأشياء بمعناها المجرد، والمتعة الأهم في محاولة استشفاف بارقة وعي وفهم لجوهر الإنسان وماهيته، متعة إدارك أننا أعمق وأبعد من هذا الإنسان الذي نعرف للوهلة الأولى وهو يتفاعل راكبا أمواج الصحاب ليخوض بها عباب الحياة”.
وخلص الى أنه بسبب هذه العوامل أطلق عليها اسم “رحلتي”، “وهي محاولة أقدم فيها “رحلتي في الحياة”، بما فيها من صعاب، وألم ومتعة وسعادة، وبما علمتني من دروس وعبر وأن أستشرف “رحلة حياتي” بين ما فيها من شغف التأمل والتفكر والتساؤل”.
في كلمة على غلاف الكتاب كتبها الناشر نقولا عقل، يشير إلى أن الصعيدي عايش الكثير من أحداث مرت على بلادنا، بل عاشها بصبر ثاقب وبصيرة محللة وسكب كل هذه التجربة بأسلوب سلس أشبه بالرواية تمتد هذه الحقبة منذ النكبة الأولى على لسان من سبقه من الآباء والأمهات ثم استمر يعايشها ويسجلها.
نحن في دار الرعاة أخذنا على عاتقنا المساهمة في نشر هذه التجربة وغيرها لتصل إلى الأبناء والجيل المقبل الذي لن ينسى بل سيؤكد الإصرار على المضي قدما في معركة التحرير والبناء والاستقلال.
وفي مقدمته للكتاب، يشير الصعيدي إلى أن الفدائيين زرعوا بذور وعي جيلي في أرض الهزيمة، فازدهرت وردا وسنابل من كل نوع ولون، لكن الريح والعواصف لم تتوقف منذ ذلك الحين، حيث تعددت أشكالها وأنواعها للعصف بالحقل وسنابله وأزهاره، مبينا أنه في كتابه يحاول أن يقدم تجربة متواضعة، أو قل نموذجا من نماذج عديدة من أبناء جيل قدم عددا هائلا من التجارب لعلها تمثل ما اعتمل في هذا الجيل من أمل، وما بذل من جهد، وما كابد من ألم ولعلها تسهم في نقل نفحة الوعي وعبق الزهر الذي زرعه زمن الفدائيين في حقول حياتنا الى الأجيال المقبلة.
ويرى الصعيدي أن تجربة كل جيل هي ملك للأجيال التالية، فإن من المسؤولية أن نحاول نقل أحدث هذه التجربة كما هي، بخلاصاتها وعبرها كما فهمنا واستخلصنا إلى الأجيال المقبلة لتشق طرقها، ولتبدع وسائلها حسب مقتضيات واقعها وآفاق مستقبلها، والتي تشكلت بناء على دروس الأجيال التي سبقتها، لذلك كانت هذه المحاولة المتواضعة لتضاف إلى ما كتب الآخرون من محاولات أكثر أهمية ولكن لم تكتب.
وكتب العديد من رفاق الصعيدي مقدمات للكتاب؛ حيث كتب عدنان البوريني أبو علي، قائلا “نشر العديد من الكتب والروايات الجيدة وتستحق القراءة، ولكن كتاب الصعيدي يأتي إضافة وشكلا فريدا من أشكال الكتابة، فهو يضم العديد من المواضيع المتنوعة التي ترتبط جميعها بحبل سري يغذيها موضوع واحد اسمه “قضية وطن وأمة”، فقد أجاد وبطريقته الخاصة في الجمع بين تقديم قصة سيرة ذاتية بما فيها من عرض مشوق، وتجربة إنسانية بما فيها من تأمل وتعلم، ويعرض فيها تاريخ وأحدث مرت بها الثورة والقضية”.
ويرى أبو علي أن الصعيدي حرص أن يكون الكتاب سهلا ويسيرا يقدم الفائدة والمتعة، يأخذ القارئ، أي قارئ، معه بسلاسة إلى واقع الأحداث، فتمسه ويشعر أنه يعيشها واقعا، ويعيش القارئ الفلسطيني بالذات تفاصيلها: لارتباطها بذاكرته الجماعية، فيتفاعل معها وكأنها قصته الشخصية، فطفولة الكاتب وحطبه، وطابونه، ومكابدة أهله، وصباه، وشبابه، وعمله الجماعي مع أبناء جيله تقدم ما يمثل ويتقاطع مع كل بيت فلسطيني بشكل أو بآخر. وهكذا تبدت لنا من غمرة الذكريات صورة الصعيدي الذي خبرناه، وتقاسمنا معه تجربة الموجة التي تمثل بحر جيل.
ويقول حسن اشتيوي أبو العز، في تقديمه، إنه تعرف إلى الصعيدي أول مرة قبل نصف قرن في معتقل نابلس المركزي؛ “حيث تزامنت فترة اعتقالنا من العام 1973-1977، وكانت الفترة كافية لميلاد علاقة شخصية ثم علاقة عمل مشترك وشاركنا بها الصديق عدنان البوريني، أبو علي”، مبينا “أن الرؤية الواحدة هي التي جمعتهما وشكلت برنامجا نضاليا بعد الإفراج عنهما، ويتمثل ذلك في إطلاق التنظيم الشعبي في الأرض المحتلة، وشاركتنا به أختنا وصديقتنا ربيحة ذياب التي كانت قد بدأت الدراسة في جامعة بيت لحم”.
يقول أبو العز “يفصل الكتاب لجزء من الأعمال والإنجازات التي كانت جامعة النجاح مسرحها، والتي وازاها وبالفترة نفسها نضالات امتدت من جامعة بيت لحم وجامعة بير زيت؛ حيث درسنا أبو علي، لتشمل الأرض المحتلة من خلال اللجان الطلابية ولجان العمل التطوعي، إذ نحن أمام سيرة مناضل فلسطيني مثلت رحلة جيل عانى آثار النكبة، وشب على هدى العمل الفدائي بعد النكسة، كما عمل الصعيدي على مدار حياته ما استطاع منسجما مع قناعاته ورؤيته متصالحا مع نفسه؛ حيث بدأ عمله النضالي في صباه حيث اعتقل، واستمر في العمل الطلابي الجماهيري، وغلبت على شخصيته طوال مراحل عمره شخصية الفلاح الفلسطيني حيث العمل في الزراعة الى جانب الهاجس الملح لاستكمال تحصيله العلمي، وهذا انعكس على إيمانه بالعمل الجماعي على سلوكه حيث سمى كتابه “رحتلي موجة من بحر جيلي””.
ويقول إن هذا الكتاب يؤرخ فيه الصعيدي لبعض من مسيرة جيل نقل العمل النضالي للحركة في الأرض المحتلة من إطار العمل الفردي، الى العمل الجماهيري الشعبي الشامل، وفي مرحلة لم يكتب عنها الكثير فيما تناوله بعض الكتاب في أجزاء مقتضبة وأحداث محددة.
أيضا، يقول زهير الدبعي الذي تعرف أيضا إلى الصعيدي في سجن نابلس القديم قبل نحو خمسين عاما، وكان ورفاقه في مجموعته المناضلة من نوعية جديدة، ويمثلون جيلا جديدا بدأ بالمشاركة في النضال، وفي جامعة النجاح الوطنية وجدت نفسي مع الصعيدي مرة أخرى وكان قد أسس هو وعدد من الإخوة الحركة الطلابية الوطنية في الجامعة.
أبدى الدبعي سعادته بهذه المذكرات التي يرى أنها تشجع الكثير من الرفاق من جميع الأطياف، كتابة مذكراتهم ونشرها، انطلقت من واجب النقد الذاتي ومسؤولية المراجعة ليس بدافع التلاوم -والتلاوم- وإنما لأن النقد والمراجعة حق لأولادنا وأحفادنا وأجيالنا المقبلة؛ كي نتمكن من وضع أقدامهم على أول طريق الخلاص في وطنهم الذي زرع جباله وسهولة أجدادنا بشجرة الزيتون المباركة قبل مئات السنين من ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock