أفكار ومواقف

رحيل مترجم كبير..!

سوف تسمع المثقفين العرب وهم يستشهدون بأدباء الإسبانية العظام؛ غابرييل غارسيا ماركيز، و‌إيزابيل الليندي، و‌جوزيه ساراماغو، و‌إدواردو غاليانو، وماريو بارغاس وآخرين كثيرين. وسوف يُحدثك بعضهم بدرايةٍ معقولة عن “الواقعية السحرية” اللاتينية، والعوالِم الفاتنة في القارة القصية. ويعود جزء كبير من الفضل في هذه المعرفة عن الأدب اللاتيني والإسباني إلى رجل واحد، صالح علماني، المترجم الأديب الكبير الذي رحل عن دنيانا الأسبوع الماضي.
أن يترجم المرء نحو مائة عمل مهم، كما فعل علماني، هو مشروع كبير. وأن تنقل مباشرة عن لغة لا يعرفها معظم أهل ثقافتك هو عمل مميّز بشكل خاص. ومن الممكن في أحوال كهذه الترجمة عن لغةٍ وسيطة، الإنجليزية أو الفرنسية، لكنّ وجود أحدٍ يعرف العمل بلغته الأم، ويمتلك الأدوات للترجمة عنها بطريقة لائقة هو حسنُ حظ نادر. وثمة حسنُ حظٍّ إضافيّ في حالة علماني؛ كان يمكن أن يشتغل كل عمره بما يشتغل به معظم المترجمين لكسب الرزق؛ في سفارة أو مكتب أو ما شابه. ولا شك في أن كلّ الترجمة مهمة في حد ذاتها، لكنّ الظروف أتاحت لعلماني أن يجد الوقت ليعمل على ما يحبُّه المترجم: على الأدوم والأظهر والأوسع أثراً من الأعمال الإبداعيّة –التي يفضل أن تكون من اختياره- إلى لغة ثقافته.
لكنّ هذه التجربة الثرّة، كما أتصوّر، تكون مصحوبة دائماً بفيض من المشاعر المختلطة، ربما يكون أبرزها توتُّر المنخرط في سباق صعب. إنك، حين تترجم كتاباً، تكتُب الكلمة الأولى، والسطر الأول، ثمّ تنظر فتجد أنك نقلت ذرَّات من جبل كبير متمنِّع. ويبدو لك في لحظة أنّه عملٌ طويل لن ينتهي. وفي بعض الأحيان، تبدو الكلمات والعبارات أشبه بكتل صماء عنيدة تستعصي على التفكيك، ولا تتحرك إلا بمثابرة نحّات عنيد يُقاربها من كل الجهات. وكلّ الوقت، تنظرُ في جبلِك وكم انتقلَ منه، وكيف ينهضُ تكوينُك ويصغر الآخر. وتنتهي، فتنهمك في ترتيب ما لديك وأصبح لك، علّه يكون شبيهاً بالأصل في الروح والمعنى والانطباع.
الترجمة في النهاية مشروع فرديّ بامتياز -أو لعلهّ ثنائي؟ إنك تعمَلُ وحدك على الجزء الجوهري، ولا يساعدك الآخرون بأكثر من اللوجستيات. لكنك مع ذلك لست مع نفسك تماما وحُراً تماما مثل المؤلف. إنك تتفاوض مع آخر تتعرفّ إليه وتتآلف معه. يتحدَّثُ وتحاول أن تفهم ما يقول، كلّ ما يقول، كما يقصد أن يقولَ، ثم تحاوِلُ أن تقوله عنه بلغةٍ أخرى، كما كان ليقوله لو أنّه تحدث بها. وقد يكون خطابه بسيطاً، وقد يكون مُلغزاً مُركبا غريبا. وعليك مع ذلك أن تفهم، وأن تقول.
عندما يذهب العمل أخيراً إلى المطبعة، يكون قد أخذ من وقتَك وطاقتك. لكنكَ تشعُر بأنك أسستَ امتدادا لنفسك بوليد جديد يتحركُ في هذا العالم منتسبا إليك. ثم تنظر في العالَم الهائل من الأعمال التي تجدُ في نفسك توقا إلى ترجمتها، فتشعر بكم حياة الإنسان قصيرة وقدرته محدودة. ومع ذلك تحاول. وإذا كنتَ تعرِف شيئا لا يعرفُه كثيرون غيرك، الإسبانية بأدبياتها ونتاجاتها اللانهائية، فإنّ نوعا خاصا من المسؤولية لا بُدّ أن يثقلَك، ويسعدَك. قد تنجز مائة عمل، لكنّك تشعر بالحاجة إلى مزيد من الوقت والطاقة ونشاط الحواس من أجل المزيد.
هكذا أتصوّر عمل صالح علماني -أكثر أو أقل. وهي رحلة ممتعة وإنما مضنية، يغري فيها شيطانُ القعود كلَّ لحظة بالتوقف في محطة على الطريق –في نقطة من رواية عنيدة، أو عندما تبدو الخطوات قصيرة وأضعفُ من المضيّ على طريق طويل لا نهائي. لكنَّ شوقا قاهرا إلى استكشاف المحطات يُنهض الطاقة في الساقين ويزدري التردد. ويساعد في ذلك تقدير الآخرين، مثل الجوائز الكثيرة التي نالها علماني، والتي تكللت بمنح الحكومة الإسبانية له الإقامة تكريماً لعمله في نقل الأدب المكتوب بالإسبانية إلى ثقافة كبيرة مثل العربية.
سوف ينغلق برحيل علماني طريق عريض شقه لنا إلى الثقافة الإسبانية/ اللاتينية الكبيرة الغنية. وهي خسارة كبيرة يصعب تعويضها مع ندرة الطرق إلى هناك. لكنَّه ربما وجد الهدوء والرضى حيث توقف به المسير، بينما يتأمل العمل الكبير الذي أنجزه رجل واحد، من مستوى الإغناء المعرفي لثقافته كلها، والمشاركة في التأسيس لتعارف جمعي أكثر تفاهماً وحميمية بين ثقافتين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock