ترجمات

ردع الميليشيات العراقية: ما ينجح وما لا ينجح

مايكل نايتس* – (معهد واشنطن) 1/7/2021

في 28 حزيران (يونيو)، قصفت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع للميليشيات -اثنين في سورية وواحداً في العراق- رداً على تصعيد الهجمات بطائرات بلا طيار ضد مواقع أميركية في العراق. ويبدو أن الضربات الليلية قد أصابت منشآت لتخزين واختبار الطائرات المسيّرة، ما تسبب في وقوع أضرار مادية ومقتل ما يصل إلى خمسة أشخاص. ومع ذلك، على إدارة بايدن أن تفعل المزيد إذا كانت تأمل في إصلاح قدرة الولايات المتحدة على الردع -لم تشن الولايات المتحدة حتى الآن سوى هجومين رداً على 24 هجوماً صاروخياً وهجمات بمسيرات خلال الأشهر الخمسة الماضية. وإذا استمرت هذه النسبة من الرد، فستواصل الميليشيات تصعيدها ببساطة، وسيفقد المزيد من الأميركيين حياتهم.
بطاقة نتائج الردع: إدارتان
جاء الهجوم الصاروخي الأول الذي أطلقته الميليشيات المدعومة من إيران خلال فترة إدارة الرئيس بايدن بعد يوم واحد فقط من تنصيبه في 22 كانون الثاني (يناير)، ومنذ ذلك الحين أعقبه 23 هجوماً إضافياً ضد أهداف أميركية. ولم ترد الولايات المتحدة عسكرياً إلا على هجومين هما: ضربة في 25 شباط (فبراير) أدت إلى مقتل أحد رجال الميليشيات في سورية، والضربة الأخيرة في سلسلة من الهجمات التي تسببت في مقتل خمسة أشخاص. وبعبارات أخرى، أفلتت الميليشيات من العقاب بعد شنها هجمات ضد مواقع أميركية في 91 في المائة من الوقت.
ولم يكن “معدل التبادل” المسجل خلال الأشهر الستة الأخيرة من فترة إدارة الرئيس ترامب أفضل بكثير -فقد واجهت إدارته سبعا وثلاثين ضربة على القواعد الأميركية في العراق ولم ترد ولو مرة واحدة. ومع ذلك، من الجدير بالملاحظة أن وتيرة هذه الهجمات تراجعت من 33 ضربة في الفترة بين تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) 2020 إلى أربع ضربات فقط بين تشرين الأول (أكتوبر) وكانون الأول (ديسمبر)، ما يشير إلى أنه كان هناك أثر لأحد العوامل في الموقف الإجمالي الرادع للإدارة الأميركية حتى عندما كانت هناك عوامل أخرى فاعلة.
وعلى الأرجح، كان ضبط النفس الذي مارسته الميليشيات في نهاية العام المنصرم نابعاً إلى حد كبير من عمليتين حسابيتين أجرتهما جهاتها الراعية في طهران: أولاً، أن إدارة ترامب ستنفذ تهديداتها بالانتقام الشديد وغير المتكافئ، وثانياً، كانت هناك فوائد يمكن الحصول عليها من تخفيف التوتر مع الإدارة الديمقراطية المقبلة قبل بدء المفاوضات المستقبلية بشأن تخفيف العقوبات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف أقام فريق ترامب مثل هذه القوة الرادعة في المقام الأول، وكيف يمكن لفريق بايدن إحياؤها بشكل أفضل؟
تحقيق الردع من دون ترامب
يشير تصعيد الهجمات منذ تنصيب بايدن إلى أن “الهدنة المشروطة” المفروضة ذاتياً التي أعلنتها الميليشيات في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2020 كانت مدفوعة بشكل أساسي بالخوف من إدارة ترامب. ففي الفترة بين 22 كانون الثاني (يناير) ونهاية آذار (مارس)، ضربت المليشيات مواقع أميركية ثماني مرات، ومن نيسان (أبريل) وحتى اليوم، ارتفع عدد الهجمات بشكل ملحوظ إلى 19 ضربة، حيث تم تنفيذ ثمان منها على الأقل بطائرات مسيرة جديدة وأكثر دقة.
وقد يكون أحد دوافع هذا التصعيد هو الطبيعة المحدودة للغاية للضربة الانتقامية الأولى التي شنها فريق بايدن في 25 شباط (فبراير)، التي لم تتسبب عملياً في أي أضرار ولم تسفر عن مقتل أي مسؤول بارز أو صاحب منصب متوسط في صفوف الميليشيات. واليوم، من الواضح أن أنظمة الطائرات المسيرة التي تستخدمها الميليشيات في هجماتها هي من تصميم إيراني، وفي بعض الحالات يُشغّلها الوكلاء العراقيون الأقرب إلى النظام (على سبيل المثال، “كتائب حزب الله”) وليس جماعات الواجهة. وبذلك، أصبح بالإمكان التصريح بلا تردد بأن إيران لم تعد تخشى التعرض لضربات انتقامية شديدة أو عرقلة المفاوضات النووية -أو ربما لم تعد تهتم بكيفية اختتام تلك المحادثات.
ومن هذا المنطلق، كان لأسلوب الرئيس ترامب غير المنتظم في صنع القرارات، واستعداده لتوجيه ضربات قاسية إلى إيران والميليشيات في بعض الأحيان، واشتداد حدة الدراما السياسية المحيطة بالانتخابات الأميركية وإجراءات انتقال السلطة، فوائد لا شك فيها لأغراض الردع. فعندما بدأ فريقه بالتهديد بانتقام غير متناسب في تموز (يوليو) الماضي، بدا أن إيران ووكلاءها ينظرون إلى التهديد باعتباره ذا مصداقية -وهو استنتاج كان ينبع بلا شك من قيام الولايات المتحدة بقتل مستهدَف لأقوى جنرال إيراني وأكبر شخصية في الميليشيات في العراق في بداية العام 2020. وبالطبع، لا يمكن ولا ينبغي تكرار هذه الصيغة حرفياً، لكن بإمكان الرئيس بايدن استقاء بعض الدروس منها.
تتمثل العبرة الأساسية في ميل إيران وميليشياتها إلى التصعيد ضد الأهداف الأميركية إلى أن يتم كبحها. وحصل ذلك في العام 2019 حين كثفت هجماتها إلى أن أودت في النهاية بحياة مواطن أميركي في قاعدة “كاي-1” في كركوك في 27 كانون الأول (ديسمبر)، ما تسبب بتصعيد حاد أدى إلى وقوع أول اشتباك عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثمانينيات. وتكررت هذه الدينامية في آذار (مارس) 2020 حين قُتل جنود أميركيون وبريطانيون في معسكر “التاجي”، ما أدى إلى شن ضربات أميركية على مواقع اختبار الصواريخ وتخزينها التابعة لـ”كتائب حزب الله”.
ومن بين العوامل الأخرى الكامنة وراء هذه الديناميات سجل إيران الحافل بإساءة استخدام الغطاء الدبلوماسي الذي توفره المفاوضات النووية لتكثيف أنشطتها الخبيثة في المنطقة. وفي الفترة 2014-2016، عززت طهران من تدخلها العسكري في سورية واليمن، ومن إمداداتها من الصواريخ والطائرات المسيرة للميليشيات، ومضايقتها لسفن البحرية الأميركية. واليوم، يبدو أن دينامية مماثلة تعمل في العراق، حيث يبدو أن إيران لا تحرك ساكناً لكبح جماح جماعات مثل “كتائب حزب الله”، وما تزال تسمح لضباط من الحرس الثوري الإسلامي بتوجيه أنشطة الميليشيات في بعض الأحيان. ومع أن هذه الجماعات غالباً ما تتجنب إعلان مسؤوليتها عن هذه الهجمات من أجل الحفاظ على قشرة رقيقة من الإنكار لنفسها ولطهران، فإن أي محاولة لادعائها البراءة ستكون مثيرة للسخرية بشكل واضح بالنظر إلى أن هجوم 27 حزيران (يونيو) في أربيل والهجمات السابقة قد نُفذت بواسطة مسيرات تحمل علامات تصنيع المعامل الإيرانية. ويتمثل الحل البديهي، بل الصعب، في استئناف مساءلة إيران، وليس ميليشياتها السرية فقط.
توصيات في مجال السياسة العامة
إن المعضلة التي تواجهها إدارة بايدن واضحة. فبعد خمسة أشهر فقط من تسلمه الرئاسة، شنت إدارته هجمات على الميليشيات العراقية بالوتيرة التي اعتمدها ترامب في العام 2020 بأكمله، ولكن من دون تحقيق أي من التأثيرات نفسها. وفي الواقع، تجاهل وكلاء إيران أساساً الانتقام الأميركي الأخير بقصفهم قاعدة أميركية في شرق سورية. وسيكون الردع أكثر فعالية إذا توافقت الضربات الأميركية المستقبلية مع المبادئ الآتية:

  • نسبة رد أعلى: على الجيش الأميركي زيادة نسبة الرد على الهجمات الدفاعية. فنسبة 1:12 غير كافية ببساطة لإقناع أي ميليشيا بأن التعرض لأهداف أميركية هو أمر محفوف بالمخاطر. وحالما تتم استعادة قوة الردع، سيكون من الضروري تقليل عدد الضربات الأميركية، ولكن في غضون ذلك قد يستلزم الأمر تنفيذ المزيد من الضربات.
  • هجمات أكثر قسوة: إذا زادت واشنطن نسبة ردها، لكنها استمرت في التساهل مع بعض الهجمات التي تقوم بها الميليشيات، فعليها أن تضمن أن تتناسب ضربات الردع “المدعومة” التي ستنفذها في النهاية مع جميع هجمات الميليشيات التي أدّت إليها. فالرد على هجوم خفيف تشنه أي من الميليشيات برد انتقامي أميركي خفيف لا يعني شيئاً إذا كانت عملية الميليشيا قد سبقتها عمليات عدة مرت دون حساب على مدار أسابيع. وكما أظهرت الضربة التي شنتها الإدارة الأميركية في 25 شباط (فبراير)، غالباً ما سيؤدي رد انتقامي منفرد وضعيف إلى زيادة هجمات العدو في المستقبل وليس ردعها.
  • استهداف القيادة. على الرغم من وجود بعض الفائدة في الرد على الهجمات في الوقت الذي تختاره الإدارة الأميركية، إلا أنها ربما لا تستغل بالشكل الكافي فرص الاستهداف المتاحة أمامها. فالسماح بمرور بعض الوقت بين الجريمة والعقاب قد يمكن القوات الأميركية في بعض الأحيان من تحديد الأهداف القيادية في الميليشيات وضربها بسهولة أكبر، كلما تسنح الفرص. وهذه هي الطريقة المناسبة لتحقيق الردع الفعلي -من خلال محاسبة القادة باستهداف ممتلكاتهم أو حياتهم إذا لم تتوقف الهجمات. ومع ذلك، لم يتم إثبات أي مساءلة شخصية جوهرية بعد مرور خمسة أشهر وشن أربعة وعشرين هجوماً، ولذلك ليس لدى مسؤولي الميليشيات سبب معقول للخوف منها.
  • هجمات غير معلنة. من خلال تبنيها علناً كل ضربة، يمكن القول إن الولايات المتحدة تُضعف قوة الردع لديها عبر ممارسة الضغوط على الخصم من أجل الرد. ففي بعض الحالات، قد يكون من الأفضل أن تتبع واشنطن النموذج الإسرائيلي، حيث غالباً ما يعتمد المسؤولون الغموض عن عمد بشأن ما إذا كانت قواتهم هي التي نفذت بعض الأفعال، تاركين للخصم ما يكفي من الغموض لحفظ ماء الوجه لتجنب الرد. وطالما يتم إبلاغ الكونغرس الأميركي عبر القنوات المناسبة (كما هو الحال مع العمليات السرية الأخرى)، فليس هناك سبب لإعلان الولايات المتحدة مسؤوليتها عن كل هجوم. وفي الواقع، يفضل الشركاء الأجانب على الأرجح أن تكون واشنطن أكثر تكتماً بشأن خطواتها الدفاعية، كما أشير إلى ذلك عندما أدانت بغداد بشدة الضربة الأميركية في 28 حزيران (يونيو) باعتبارها “انتهاكاً صارخاً وغير مقبول للسيادة العراقية”.

*”زميل برنشتاين” في معهد واشنطن، ومؤلف مشارك لدراسته للعام 2020 بعنوان “التكريم من دون الاحتواء: مستقبل الحشد الشعبي في العراق”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock