أفكار ومواقف

ردود فعل محزنة

على اثر ظهور مقالي بعنوان: “كيف تجعل المدرسة تعج بالحياة”، في جريدة الغد يوم الاثنين الموافق 7/1/2019 ، الذي اتخذت فيه موضوع قذارة الحمامات والمرافق في المدرسة، مثلاً لتعليم وتعلّم حل المشكلات (Problem Solving)، اتصل بي أكثر من مدير مدرسة، بعضهم متقاعدون يقولون لي: “وين إنت ووين المدرسة”. وتوقف أحدهم (ع. عمر) الواسع الخبرة والثقافة – كما بدا لي – في شرح المصيبة في المدرسة والمجتمع فقال: لقد كنت مديراً لمدرسة ثانوية حكومية كبيرة في المنارة ولمدة طويلة لم يتقدم خلالها لي تلميذ واحد أو معلم واحد بشكوى من قذارة الحمامات أو المرافق.
كنت أفتش بنفسي على حمامات المدرسة ومرافقها من آن إلى آخر، لأضمن الحد الأدنى من النظافة وكنت ألاقي صعوبة كبيرة في ذلك ومنها إجبار الأذنة المعنيين على القيام بواجباتهم، ولكن الحمامات والمرافق سرعان ما كانت تتسخ. ولا اعتقد أن الوضع في بقية المدارس يختلف عن ذلك، فكيف تفسره؟
قلت له: كيف تفسر وقوع فتاة جميلة في حب ابن الجيران القبيح أو الصايع؟ وكيف تفسر وقوع الزميل والزميلة في مكتب واحد وزواجهما بعد طلاق أحدهما أو كليهما؟ فالسر مكشوف ولكن غير معترف به.
فقال: كيف ؟ إنني لا أعرف. قلت له: أن ذلك يحدث نتيجة الألفة، فبها يمكن تفسير زواج السكرتيرة الشابة من مديرها العجوز وهكذا. وينطبق الأمر نفسه على ألفة التلاميذ والمعلمين والمجتمع لقذارة الحمامات والمرافق العامة، فبمرور الوقت يألفون هذا الوضع، وتصبح القذارة العامة أمرا عاديا وكأنها في اللاشعور.
واستأنف المدير الحديث ليرحب في هذا التفسير وقال: الآن فهمت سر مصيبتي مع جيراني، فأنا أقوم بتنظيف مدخل بيتي كل يوم، وأسقي الزريعة، ولكن الجيران ينكتون علي ويسخرون مني وكأني استفزهم.
قلت له: نعم، أنك تستفزهم بالفعل لأنك تبدو وكأنك تتحداهم وتزايد عليهم للقيام بالمثل، والقيام به مزعج في نظرهم لأنهم غير متعودين عليه. كما أنهم يرون في سلوكك محاولة للتفوق عليهم، وأنك أفضل منهم، فلا يريدون أن تستمر في ذلك كي تظلوا متساوين (ولو في التعايش مع الوسخ والقذارة).
وفي أثنائه تذكر كيف ان تلميذات صغيرات (في الابتدائية) رأينه يستمع لأغنية في الهاتف الخلوي وهو يقوم بالتنظيف فسمعهن يقلن: شوفوا هذا العجوز، يستمع للأغاني وقت الأذان، أي أن عدم الاستماع للأذان استفزهن بينما لم يستفزهن الوسخ الدائم الذي يرونه على جوانب الشارع كل يوم.
قال معلقاً على ذلك: يبدو أن العبادات عند الناس اليوم تتقدم على المعاملات والنظافة العامة وربما الخاصة، وأنك عليك إذا أردت ان تفعل ما تريد من مخالفات أو أن ترتكب ما ترغب فيه من معاصٍ، التظاهر بالعبادات والتشدد فيها بالكلام، يغفرونها لك جميعاً.
مع أنني فسرت له الموضوع من خبرتي أن الألفة هي السبب وتأخذ وقتا لتعمل، إلا أنني والتزاما بالأمانة العلمية وجدت هذه النظرية معروفة، وتُنسب لعالم النفس البولندي البريطاني روبرت زاجونك (1922 – 2000) الذي يفذلكها كالتالي: يؤدي تكرار التعرض إلى منبه أو محرك (Stimulus) إلى الألفة (Familiarity) به. وتؤدي الألفة إلى تغير في الاتجاه نحو هذا المنبه، بالتفضيل أو الميل/ المودة… وهو اتجاه أو تفضيل عاطفي يستقر أخيرا في اللاشعور (العقل الباطن)، وانه كلما استمرت الألفة ازداد التفضيل أو الميل / المودة/ المحبة/الحب. وهي حالات لا تستند إلى قرار عقلاني، لأن المشاعر تسبق التفكير، وهي المقرر الأقوى للاتجاهات والقرارات فيما بعد، وليس العقل أو المنطق، لأننا سرعان ما نتخذ القرار المشحون بالعاطفة قبل أن نعطي لأنفسنا الفرصة للتروي والاختيار بعقلانية أو بمنطق، وهما يأتيان بعد ذلك لتبرير الاختيار أو القرار المتخذ مسبقاً.
لكن روبرت زاجونك لم يتحدث عن انقلاب الألفة بعد الزواج – مثلاً – عند بعض الأزواج إلى ملل واختناق وقرف ورغبة في الابتعاد عن الشريك أو حتى الانفصال عنه كما حدث مع الممثلة الأميركية المعروفة انجلينا جولي وزوجها براد بيت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock