ترجمات

رد الفعل الغربي تجاه أوكرانيا والعرب: سراب النزعة الدولية الليبرالية

مايكل يونغ* – (كارنيغي للسلام الدولي) 17/5/2022

تشير ردود الفعل الغربية شديدة التباين على المعاناة في كل من أوكرانيا والعالم العربي إلى وجود هوة عميقة بين الثقافات.

  • * *
    كشف النزاع الأوكراني، بغض النظر عما يمكن أن يقال عنه، عن نمط التفكير السائد في عدد كبير من المجتمعات الغربية. حين ننزع عنه طبقات الغضب والاستنكار من الغزو الروسي، ندرك أن الرسالة لا تتعلق فعليًا بصوابية الديمقراطية الليبرالية في وجه السلطوية، وإنما بالانتقائية حيال أولئك الذين يجب أن تنطبق عليهم القيم الليبرالية.
    كانت النزعة الدولية الليبرالية رد فعل على سياسات القوة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وقامت آليتها الأساسية على السعي خلف إرساء توازن في القوى. وكان نشر الحكم الديمقراطي الليبرالي وممارسة الدبلوماسية المفتوحة، في تجسيد للانفتاح الذي نصبو إليه لدى البشر، أمراً في غاية الأهمية.
    قيم الليبرالية أخلاقية وكونية
    بما أن القيم الليبرالية هي قيم كونية في نتائجها الأخلاقية، يجب إذن تطبيقها في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما أن النظام الدولي القائم على منظومات ديمقراطية هو، حسب ما يُزعَم، أكثر استقرارًا من النظام القائم على علاقات القوة التي تفتقر إلى الأخلاق.
    لكن النزعة الدولية لا تقتصر على الليبرالية الغربية، فالشيوعية ومعظم الأديان الكبرى تقوم أيضًا على اندفاعات دولية قوية. ومع اندلاع النزاع الأوكراني، برزت رسالة متمايزة في الغرب، مفادها بأن الدفاع عن أوكرانيا هو دفاع عن الديمقراطية الليبرالية بحد ذاتها. وقد ردد المسؤولون الأوكرانيون بحنكة هذه الرسالة، معتبرين أن القيم الكونية التي يعتز بها الغرب كثيرًا تفقد معناها إذا لم يتم الدفاع عنها في أوكرانيا. وكانت لهذه الرسالة أصداء قوية في أوساط الجماهير الغربية.
    استغلال أوكرانيا لنظرة الغرب المتعالية إلى نفسه
    لا يستطيع أحد أن يلوم الأوكرانيين على استغلال نظرة البلدان الغربية المتعالية إلى نفسها. ولكن، من المستغرب كم كانت ردود الفعل الغربية باهتة حين انتفضت المجتمعات العربية ضد أنظمتها السلطوية في العام 2011، ثم في مراحل لاحقة خلال العقد المنصرم. وربما يُعزى ذلك إلى شعور لطالما كان سائدًا في الغرب بأن العالم العربي ليس مستعدًا فعليًا للديمقراطية، وبأنه لا يمتلك تقليدًا ديمقراطيًا.
    عبر فرانسيس فوكوياما، في كتابه “أميركا عند مفترق طرق” America at the Crossroads عن هذه النظرة حين كتب أن المجتمعات العربية لا تملك المؤسسات اللازمة من أجل “الانتقال من التوق غير المُتبلور إلى الحرية، إلى منظومة سياسية ديمقراطية راسخة وذات أداء جيد تترافق مع اقتصاد حديث”.
    وقد عبر الكاتب الأميركي المحافظ، لي سميث، عن تشكيك مماثل في المؤهلات الديمقراطية لدى العرب، وانتقد في كتابه “الحصان القوي: النفوذ والسياسية وصِدام الحضارات العربية” The Strong Horse: Power, Politics, and the Clash of Arab Civilizations إيمان الولايات المتحدة بالديمقراطية العربية. وكتب عن ذلك: “لم يفهم العرب مبادئ الحكم التمثيلي، لكن رزمة الحرية التي قدمها البيت الأبيض لم تتضمن تعليمات حول كيفية سير الديمقراطية في الواقع. بدلًا من ذلك، قدمت هذه الرزمة مثلما توزع الألعاب في صبيحة يوم عيد الميلاد، أو مثل جهاز آيفون ترك للعرب أن يتدبروا بأنفسهم أمر تشغيله”.
    يمكن الخوض في سجال حول ما إذا كان فوكوياما وسميث على حق، ولكن بعد انقضاء عقد على انتفاضة المجتمعات العربية ضد حكامها السلطويين، ما يزال الكثيرون في الغرب يسخرون من فكرة نشوء عالم عربي ديمقراطي. وهذا مفاجئ، لأن الغرب تكبد كلفاً طائلة جراء ذلك. وهو مفاجئ أيضًا لأن تفكير المشككين متناقض ودائري.
    القبول بهذه الفكرة توطيد للأنظمة الدكتاتورية
    يكمن التناقض في أن القبول بأن المجتمعات العربية ليست مستعدة للديمقراطية يسهم بطريقة غير مباشرة في توطيد الأنظمة الدكتاتورية، مما يقلص أكثر احتمالات تحقيق الديمقراطية. ويعد هذا المنطق دائريًا لأن افتراض أن مجتمعات الشرق الأوسط غير مستعدة مؤسسيًا للديمقراطية لا يسهم إلا في تشجيع السلطويين على العمل من أجل إبقاء مجتمعاتهم غير مستعدة مؤسسيًا للديمقراطية.
    يفهم، في ضوء هذا الإبهام، لماذا طبقت هذه الرسالة الدولية بسهولة كبيرة في أوكرانيا، بينما كانت محملة بالقيود والمحاذير عند التعاطي مع العرب أو المسلمين. وفيما تتوالى فصول الحرب في أوكرانيا، أقام بعض المراقبين مقارنة بين هذين الواقعين، حتى لو أن نصيب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كان في أغلب الأحيان عبارة عن تلميحات تنم عن استعلاء وازدراء من بعض المراقبين.
    ولنتذكر هؤلاء المراسلين الذين حاولوا، في بداية الحرب الأوكرانية، أن يشرحوا أن النزاع في أوكرانيا صادم جدًا لأنه يدور في أوروبا “المتحضرة”، وليس في دول “غير متحضرة”، كما ألمحوا ضمنيًا، مثل العراق وأفغانستان حيث “يحتدم القتال منذ عقود”.
    مع ذلك، يتوقع المرء أن تكون النزاعات الدائرة منذ عقود شيئاً صادمًا. لكنه ليس كذلك على ما يبدو. لقد أصبح حوالي 7 ملايين سوري لاجئين منذ العام 2011، وسط لامبالاة الغرب إلى حد كبير، ناهيك عن الجهود التي بذلها الاتحاد الأوروبي لضمان عدم دخول اللاجئين السوريين إلى الأراضي الأوروبية. وحين خالفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذا النهج في العام 2015، معلنة أن بلادها ستفتح أبوابها أمام اللاجئين، كاد الاتحاد الأوروبي ينقسم فيما رفضت الدول طلبها باستقبال اللاجئين أيضًا. وفي غضون ذلك، أسفر النزاع السوري عن مقتل 350.000 شخص، في حين أن حرب اليمن أدت إلى مقتل 233.000 شخص، وتهجير 4 ملايين يمني، وتعريض أكثر من 5 ملايين شخص لخطر المجاعة.
    مآسٍ لم تثر ردود فعل غربية متناسبة
    لم تثر هذه الأحداث المأساوية في المنطقة العربية ردود فعل في الغرب يمكن أن تقارن بحجم التضامن الذي أبدته الدول الغربية مع أوكرانيا. وحتى حين استخدم النظام السوري الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في آب (أغسطس) 2013، أظهر استطلاع مشترك لصحيفة “نيويورك تايمز” و”شبكة سي بي إس نيوز” أن 60 في المائة من الأميركيين المستطلعة آراؤهم يعارضون إطلاق عملية عسكرية للرد على النظام السوري، على الرغم من أن 75 في المائة من هؤلاء أعربوا عن اعتقادهم بأن النظام استخدم بالفعل هذه الأسلحة المحظورة.
    من السهل التنديد بردود فعل كهذه باعتبارها “عنصرية”، لكن هذا لا يقول لنا الكثير. فالعنصرية راسخة في كل الثقافات أكثر مما يعترف بذلك الناس. لكن ما يخبرنا به هذا الواقع هو أن الخطاب ذا النزعة الدولية الذي طبع معظم القراءة الغربية للمأساة الأوكرانية لا يمت إلى ذلك بصلة. بالنسبة للكثيرين في الغرب، ليست حقوق الإنسان والاعتبارات الإنسانية، مثل القيم الديمقراطية الليبرالية، مهمة إلا عندما تشمل الشعوب التي يتماهى معها هؤلاء الأشخاص.
    وهذا أمر مخزٍ ومؤسف. فللحظة قصيرة، خُيل إلينا أن الحماسة الأخلاقية حول حرب أوكرانيا ستؤدي إلى إعادة إحياء النزعة الدولية الليبرالية في عالم تلوثه النزعات القومية الضيقة. لكن ذلك لم يحدث.
    نزعة قومية ذات طابع حضاري أو ثقافي
    لهذا السبب، ربما يكون الوقت قد حان للتفكير بأن النزعات القومية التي يتخوف منها المواطنون الكوزموبوليتانيون قد لا تشكل التهديد الأساسي. فمسار العولمة سيؤدي إلى انحسار أحلام الانكفاء القومي. لكن الذي حدث هو أنها بدأت تحل محلها نسخة أخرى من النزعة القومية، ذات طابع حضاري أو ثقافي، قائمة على تعاطف الناس بشكل أساسي مع أولئك الذين يتشاركون معهم الخصائص الثقافية نفسها، على حساب القيم الكونية. وقد يسبب ذلك مشكلة أكبر لأنه يشمل كيانات جغرافية أوسع نطاقًا. وكان هذا هو فحوى مفهوم “صدام الحضارات” لصامويل هنتنغتون، ولم يحدث شيء يذكر يدفع إلى التشكيك بها.
    كثيرًا ما يلجأ أولئك الذين يقارنون التعاطف الغربي مع محنة أوكرانيا اليوم باللامبالاة النسبية التي أبداها الغرب تجاه العرب والمسلمين خلال العقد الماضي، إلى اقتباس قول شهير لجورج أورويل من روايته “مزرعة الحيوانات”. فقد بدت جملته الشهيرة عن أن جميع الحيوانات متساوية، إلا أن بعضها أكثر تساوياً من غيرها، طريقة جيدة للسخرية من ازدواجية المعايير الغربية. لكننا إذا استبدلنا كلمة “الحيوانات” بكلمة “الثقافات”، فإننا سنقترب أكثر من حقيقة ما يجري في عالمنا اليوم.

*مايكل يونغ: محرر مدونة “ديوان” ومدير تحرير في مركز مالكوم كير -مؤسسة كارنيغي للشرق الأوسط.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock