أفكار ومواقف

رد الله عمّان من غربتها

القصة ليست قصة تشاؤم، ولا إشاعة للسلبية، لكنها قصة لا يمكن احتمالها، ونحن نرى كيف ان عمان باتت مدينة مخنوقة، بكل ما تعنيه الكلمة؟
مدينة جبلية جميلة تأسست منذ عقود، خدماتها التحتية مصممة لعدد اقل مما يعيش فيها الآن، والمدينة التي تم تدمير الجزء الغربي منها، عبر تحويله من أرض زراعية الى كتل اسمنتية قبيحة، بسبب الحجر الاصم، الذي يؤشر على القسوة، مثلما يؤشر على الصلابة وبعض سمات الجمال، أحيانا، لم تعد كما كانت، بل باتت تعاني على كل المستويات، والكل يعرف هذه الحقيقة، التي لا يمكن تجاهلها.
كانت أولى الصدمات التي تعرضت لها عمان، عودة الأردنيين من دول عربية، إثر حرب الخليج العام 1990، ومنذ تلك اللحظة، بدأت تشهد تغيرات على صعيد بنيتها الاجتماعية والسكانية، وبدأت بنيتها التحتية على صعيد الشوارع والسكن وخدمات التعليم والعلاج بالتأثر، ثم جاءت موجات الاشقاء العراقيين، والاشقاء السوريين، وانتقال الأردنيين من المحافظات اليها، مع قلة المساحات المتاحة للبناء اليوم، وغرق العاصمة بعمارات الشقق والاسكانات، التي اعادت تصنيع هوية المكان، وجعلته مجرد تجمع سكاني، بلا روح، فوق وجود أطنان الحديد من السيارات المتهالك اغلبها، حين يجوب اكثر من مليون وربع سيارة، الشوارع والاحياء الضيقة، ويتسببون بالزحام، فوق تلوث الأجواء، في الصيف والشتاء، على حد سواء.
هذه التغيرات، قد تحدث في مدن أخرى في العالم، لكن التخطيط المبكر، يخفف من كلفة التوسع، او الاختناق، لكننا في عمان، بقينا كما نحن، والذي يرى اختناقات الشوارع بسبب مشروع الباص السريع، يدرك اننا امام عقاب جماعي، اذ لا يعقل ان تختنق العاصمة بهذه الطريقة، ويصل الاختناق من صويلح الى وزارة الخارجية قرب المطار، خصوصا، في ساعات الصباح، فوق ما نراه مطلع اليوم، وعند غروبه، في هذه المواقع وعلى طريق الجامعة الأردنية، نحو الداخلية، وفي طبربور، ومواقع أخرى، بما يعني ان الشلل الذي أصاب العاصمة لم يقف عند حدود مواقع المشروع، بل ضرب العصب العام لكل العاصمة، ولم يستثن أي موقع، كون العاصمة صغيرة، والارتداد يصل بسرعة الى كل موقع، وبكل بساطة، وسهولة.
المفارقة ان الكل يقول للناس، اصبروا حتى ينتهي مشروع الباص السريع، لكن لا احد يتنبه الى ان نهاية المشروع ستكون بداية مشكلة أكبر، اذ ان المساحات التي اقتطعها المشروع من الشوارع، ستبقى كما هي، وضيق الشوارع التي تستعملها السيارات، لن يتغير، وسنرى كيف ينطلق الباص السريع لاحقا بسرعة، عبر مساربه، فيما تقف مئات آلاف السيارات وسط الازمات ذاتها، في الشوارع التي بقيت ضيقة، دون ان ننسى هنا، انه بنهاية مشروع الباص السريع، تكون اعداد السيارات قد زادت، والأزمات تضاعفت، وزاد السكان بشكل طبيعي.
ربما لا يحتمل المسؤولون النقد، ويقولون اننا نبث السلبية، في كل الأحوال، سواء تم تجميد مشروع الباص السريع او تنفيذه، لكن لا احد يتحدث عن أعصاب الناس، والامراض التي تحل بهم جراء انحشارهم في أزمات تحرق ساعات من يومهم، هذا فوق السؤال حول الوقت الذي يحتاجه المريض للوصول الى مستشفى، او الوقت الذي يحتاجه الطالب او الموظف للوصول الى عمله، وبلا شك نحن امام حالة انهاك كبيرة، على الصعيد النفسي والصحي، فوق اضرار التجار جراء الاغلاقات، وكأنه ينقصنا نزق فوق نزقنا المعتاد، او تنقصنا عصبية فوق اعصابنا المتوترة.
لا تعرف هل توجه اللوم لمن بدأ بالمشروع، او لمن قرر فتح ملفات الشوارع والمواصلات والجسور، مرة واحدة، وبحيث غرقت العاصمة فجأة في وحل الازمات، او لمن ينفذ ببطء، او لمن يتناسى الفرق بين الصيف والشتاء، حيث عليكم تخيل بطء تدفق السيارات، والمطر ينهمر، او الشوارع تفيض بالماء، خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وهو مشهد ينتظرنا عما قريب.
لم يعد هناك كلام كاف للتعبير عن هذا المأزق، فلا احد يسمع، ولا احد يعترف بمسؤوليته، ولا احد يبدع حلا، والواحد منا لا يملك سوى ان يستغفر لنفسه، ولشعبه، ولغيره، وان يطلب من الله اللطف بنا، وان يعفو عنا، وان يحسن خاتمتنا، وان يرد الله عمان من غربتها، وان يفرج كربها وكرب من فيها!.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock