أفكار ومواقفرأي في حياتنا

رسائل الانتحار المخفية

معلوم أن موضوع الانتحار في الأوساط الاجتماعية يعد من التابوهات غير المسموح في الخوض فيها، خصوصا عندما تعقب حالة وفاة مفاجئة لأحد شباب أو صبايا الأسرة، وتكون ملامحها تدور في فلك الانتحار.
لكن ذلك لا يجب أن يمنعنا من تداول الأمر دائما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على الأقل نفعل شيئا مفيدا بدل سيرك التناحر الديني والعرقي والإقليمي والرياضي المستشري في الصفحات.
غالبية الذين تعرضوا لمحاولات انتحار أو من نجحوا في محاولاتهم فعلا، هم من متداولي صفحات التواصل، المعروفين لأصدقائهم ومتابعيهم. إنما لم يذكر قبل اليوم أن أحدا منهم قد لفت انتباه هؤلاء المتابعين بأنه يعاني حقيقة من اكتئاب شديد، يجعله يعبر عن رغبته في الموت بالكلمات والصور والمنشورات الجاهزة، والتي لا يتعدى متابعتها أكثر من إشارات الإعجاب أو النصح من بعيد!
ومريض الاكتئاب واضح للعيان وبشكل كبير، لا يحتاج إلى الغوص في أعماقه كي يستدل على نيته المبيتة في الخلاص من حياته، قريبا أو بعيدا، كي نكون نحن المتفرجين عليه من بعيد على قدر المسؤولية الأخلاقية والإنسانية، تدفعنا دفعا لإنقاذه أو إنقاذها قبل فوات الأوان.
والغريب أنه وبعد وفاة الشخص المفاجئة، وحين يدخل أصدقاؤه المحزونون على صفحته، يكتشفون “صدفة” منشورات كانت تنذر قبل ساعات عدة فقط، أن صديقهم العزيز دق ناقوس الخطر أمامهم مرات عدة، كي يلفت انتباههم ربما، إلى حاجته للدعم العاطفي والاهتمام والحب، والذي لو أنه جاء في وقته الملائم لكانت العواقب أقل وبكثير.
من جانب آخر طبي هذه المرة، تشير دراسات علم النفس إلى أن بعض المصابين بمرض الاكتئاب يتعرضون لفترة واحدة من الاكتئاب فقط، لكن لدى غالبية المرضى تتكرر أعراض الاكتئاب وتستمر مدى الحياة، ويتعامل الأطباء مع هذا المرض كما يتعاملون مع مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم.
من يقدم على الانتحار، في أغلب الأحوال، كان بحاجة ماسة إلى تلقي العلاج والأدوية المضادة للاكتئاب، والتي تعمل على تعويض نقص الهرمون المسؤول عن السعادة؛ حيث وجدت دراسات نفسية أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، غالبا ما يكون لديهم مستويات منخفضة من السيروتونين، ويرتبط نقص السيروتونين أيضا بالقلق والأرق.
استطاع مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، نشر محتوى مختلف يعبر عن حالتهم المزاجية السيئة، فكان حساب المرء الشخصي كافيا للتنبؤ بحالته الحالية. ثم تطور الأمر واستخدم الكثيرون المنصة كوسيلة لطلب المساعدة، عن طريق نشر منشورات تُعبر عن حالتهم النفسية المتعبة أو نشر صور لهم تعبر عن حالة الاكتئاب التي أصابتهم كنوع مختلف من الاستغاثة في عالم مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الأمر تدهور في السنوات الأخيرة من مجرد منشورات إلى فيديوهات ومقاطع مباشرة لبعض المستخدمين قرروا إنهاء حياتهم في مقطع مباشر على منصات التواصل الاجتماعي.
المسؤولية المجتمعية مشتركة مع الجميع، وكلنا إن اخترنا أن نضيق دوائر علاقاتنا كي لا تخرج من مساحة الشاشة الصغيرة، فعلى الأقل لنقم بواجباتنا الأخلاقية الملزمة، برصد هذه المنشورات المقلقة. في النهاية من سيكون الضحية إما صديق أو ابن صديق أو ابنة جار. “وهم يعنوننا وغاليين علينا”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock