أفكار ومواقف

رسائل المخابرات: لا وصايات ولا فزاعات

حسين الرواشدة

أن تفتح دائرة المخابرات العامة أبوابها للصحفيين ، في لقاء معلن وطويل، هذا يعني أن ” التغيير” وصل اليها ، فهي – كما قال مديرها– جزء من الدولة وجزء من التغيير، كما ‏يعني أن استثمار ثقة أغلبية الأردنيين بها ( 94 % حسب آخر استطلاع يثقون بالمؤسسات الأمنية) يستدعي فتح قنوات الاتصال معهم، وإتاحة المجال أمامهم لاكتشاف المؤسسة، كيف تفكر وتعمل وماذا أنجزت؟ والإجابات هنا مهمة، ليس فقط لأنها تعزز ثقة الناس بالمؤسسة الأمنية، وإنما لأنها أيضا تعيد ترسيم العلاقة بين الأمني والفاعلين في مجال السياسة والإعلام، وبينها وبين المجتمع بكل أطيافه، على قاعدة التكامل والشراكة والاحترام المتبادل.
في إطار هذا الترسيم، يمكن أن نتصور ‏الدور الأمني الكبير الذي تنهض به المخابرات داخل الأردن وخارجه، والدور الأمني – السياسي الذي لا يتجاوز كما قال الباشا دائرة ” النصح والمشورة” استنادا إلى ما لديها من معلومات يحتاجها القرار الصحيح.
يمكن ان ندرك أيضا الدور الاقتصادي الذي يرتبط بالأمن، سواء من جهة التوظيف، حيث تباشر الشبكة الأمنية عملها مع الأجهزة الأمنية في الخارج بما ينعكس إيجابيا في علاقات الأردن الاقتصادية مع دول العالم، أو من جهة ” التجفيف”، حيث تنشأ حواضن التطرف أحيانا في البيئات التي تعاني من الفقر والبطالة وأوضاع المعيشة الصعبة.
الرسائل هنا ( كما فهمتها) عديدة وواضحة، أهمها ان ” الدائرة” لا تتدخل في اتخاذ القرار السياسي، وأن فزاعة ” الوصايات” التي يستخدمها ‏البعض لتبرير أخطائهم أو تعليقها على المخابرات سقطت تماما، ومعها سقطت أوهام الخوف والرعب التي يتذرع بها بعض المسؤولين للهروب من القيام بواجبهم.
فالدائرة ليست المكان المناسب ” للاختباء”، كما أن حركتها تتكامل مع حركة الدولة ومؤسساتها ولا يمكن أن تتعارض، فهي حاضرة، وبقوة، على صعيد الداخل والخارج، كما أنها ” تدعم عملية الإصلاح والديمقراطية” وتعتقد أن” الحزبية هي خيار الأردن المقبل”، وأنها معه متى كان منضبطا بالقانون، ومستندا إلى الهوية الوطنية، وحريصا على مصالح الدولة العليا.
‏”حالة البلد” كما تراها” المخابرات” من وجهين، وجه الدولة القوية الصامدة والقادرة على التعامل مع الأزمات التي تواجهها والخروج منها بأقل الخسائر، ووجه المجتمع الذي يعاني ” مزاجه العام” من عدم الثقة والسوداوية والشك والسلبية، أما الرسائل التي تبعثها فهي أن هذا المزاج ” يقتل “لدى الأردنيين أي أمل في التحديث أو الإصلاح، او حتى في الإنتاج والاستثمار وتحسين أوضاع الاقتصاد، وبالتالي فإن الخروج منه يحتاج إلى الجميع: الدولة والمجتمع، والنخب والمواطنين ايضا.
أما أهم خطوة فهي الانفتاح على الشباب بلغة تناسبهم وتقنعهم، وفتح الطريق أمام المرأة الأردنية لكي تأخذ فرصتها في العمل في المجال العام، ‏من هذه النقطة فإن الدائرة مؤسسة وطنية، سيكون لها دور في تعديل المزاج العام وإعادة ثقة الناس في الدولة ومؤسساتها، وهي تطالب الإعلام تحديدا أن يقوم بدوره، وأن يدخل في عملية تغيير الصورة، لا مجرد تحسينها، بأدوات مؤثرة وعلى مسطرة ” حريات” مسؤولة.
لماذا الآن؟ اختيار توقيت هذا الرسائل، وغيرها، في تقديري، جاء في سياقين: ‏الأول داخلي ويتعلق بالتحولات التي يشهدها بلدنا في مسارات السياسة والاقتصاد وحالة المجتمع، ثم الاستحقاقات المقبلة لهذه التحولات، وأعتقد أنها مفهومة، وأن من واجب المؤسسة الأمنية أن تقول كلمتها فيها، ليس لتطمين المجتمع على المقبل فقط، وإنما لمصارحته بما تراه وتفكر به أيضا.
‏أما السياق الثاني فهو الخارج، الإقليمي والدولي، بما يشهده من تحالفات وصراعات ومحاولات لتصحيح المسارات والعلاقات، والأردن جزء منها وفاعل فيها أيضا، وبالتالي فإن رسالة المؤسسة الأمنية مهمة، وتعبر بشكل واضح وحازم عن “موقف” الدولة الأردنية وعناصر قوتها ومصالحها واتجاهات بوصلتها. مضمون الرسالة هنا هو: الأردن قادر على ترتيب أوراقه، والقيام بدوره، والحفاظ على مصالحه، وعيونه مفتوحة على حركة الإقليم، وجاهز لمواجهة أعاصيره ومخاضاته، وتجاوزها كما فعل دائما.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock