فكر وأديان

رسائل في فقه النوازل

 شحادة العمري

الرسالة الأولى:

الخوف من الوباء كالخوف من الأعداء

( حكم التباعد بين المصلين)

(١)

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أمرنا أن نفر من المجذوم كالفرار من الأسد، ورضي الله عن آل بيته وأصحابه أجمعين، وبعد…

فقد اعتاد المصلون منذ سنين متطاولة خلت أن يقف الإمام في محراب المسجد يحضهم على رص الصفوف وأن لا يتركوا فرجة للشيطان، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يأمر بتسوية الصفوف، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ، مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ». [رواه الشيخان: البخاري ومسلم رضي الله عنهما].

قال الإمام ابن العطار رضي الله عنه: “الأمر بتسوية الصفوف، الأول فالأول، وهو اعتدال القائمين للصلاة، على سمت واحد، وسد فرج – بضم الفاء وفتح الراء – الصفوف، جمعاً بين مدلول الأمر… وفيه إشارة إلى أن تسويتها مستحب وليس بواجب؛ لجعله صلى الله عليه وسلم تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن ركناً من أركان الشيء، ولا من واجباته، وكان من تمامه، كان مستحباً، لكونه أمراً زائداً على وجود حقيقته”. [العدة في شرح العمدة ١ / ٤٠٧].

والحق أن المصلين ملتزمون برص الصفوف، ومنع الفرجة بين الصف، المصلي عند وقوفه في الصف معني بالمصلي الذي عن يمينه والذي عن شماله برص الصف كما تصف الملائكة، صلوات الله وسلامه عليهم.

هذا ما عهده المسلمون في مساجدهم، ولم يروا غيره، وعندما تفشى وباء كورونا، منع أهل الاختصاص في الصحة من التجمع في المساجد وغيرها، خوفاً من العدوى، أغلقت المساجد لظروف طارئة، ثم فتحت بعد انحسار الوباء دون أن يرحل، فصدرت تعليمات وزارة الصحة بأن يبتعد المصلي في الصف عن المصلين معه، يبتعد ما يساوي متراً أو يزيد عن اليمين ومثله عن الشمال.

 ولا ريب أن هذه الحالة من النوازل التي لم نعرفها من قبل، أما وقد استجدَّت ووقعت بناءً على أمر وزارة الصحة صاحبة الاختصاص في صحة الأبدان، فما هو رأي العلماء أصحاب الاختصاص في الأحكام الشرعية، وهم يعلمون أن الأحكام تراعي مصالح الأنام؟

ولسيدي العز بن عبد السلام رضي الله عنه كتاب سماه: (قواعد الأحكام في مصالح الأنام).

هذا ما سأتحدث عنه في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.

( حكم التباعد بين المصلين)

(2)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [رواه ابن ماجه في سننه بإسناد حسن]، والمراد بطلب العلم في الحديث هو علم الحال، وما يقتضيه المقام، فأحكام الحج بتفصيلاتها ليست فرضاً على المسلم، فإذا استطاع السبيل إلى الحج صار تعلم أحكام الحج فرضاً، وهكذا بقية الأحكام من بيعٍ وغيره.

 ومن اليقين عند المسلمين أجمعين أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الاسلام بعد الشهادتين، وهي أول عمل يحاسبون عليه بعد موتهم، وبذلك يكون تعلم أحكامها فرضاً على كل مسلم ومسلمة بعد البلوغ.

 وأحكام الصلاة نظرية وعملية تطبيقية، من التكبير حتى التسليم، وقد تواترت تواتراً عملياً، وهي من المعلوم من الدين بالضرورة بمعنى: أن الجميع يعلم فرضيتها، لا يجهله أحد.

وإذا كان ذلك كذلك، فماذا يقول السادة العلماء رضي الله عنهم في حكم التباعد بين المصلين في الصف، وكثرة الفُرَجِ بينهم؟

يقول كاتب هذه الرسالة وفقه الله تعالى إلى الصواب:

حينما صدر أمر ولي الأمر وفقه الله تعالى بالتباعد ببن المصلين، التزمت بالأمر، أصلي في الصف بتباعد بيني وبين الذي عن يميني والذي عن يساري، وأنا أعلم أن هذا التباعد لا يبطل الصلاة قطعاً، ومن الممكن أن يقع الحكم بالتباعد ضمن دائرة الضرورات التي تقدر بقدرها، ومن الممكن أن يكون ضمن أحكام المصالح المرسلة. ومن الممكن أن يكون التباعد مفهوماً من حديث: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ». [رواه الشيخان: البخاري ومسلم رضي الله عنهما].

ومن الممكن أن يكون التباعد مستفاداً من الفرار من الوباء كالفرار من الأسد، وهذا التباعد فيه وقاية من العدوى وحماية من انتشار الوباء.

خلاصة الكلام أنني التزمت بالتباعد منذ صَدَرَتْ أوامر معالي وزير الأوقاف، ومعالي وزير الصحة في المملكة الأردنية الهاشمية، تابعت الفتاوى في هذه المسألة، وسألت بعض أهل العلم في داخل المملكة وخارجها، فلم أَجد جواباً يشفي الغليل في حكم هذه النازلة إلا العموميات التي ذكرتُها أو ما يقاربها.

ومما دفعني للبحث في هذه النازلة أن بعض الشيوخ يقولون: تركنا صلاة الجماعة والجمعة لأن التباعد المكاني فيه حشدٌ وجمعٌ للشياطين في الفرج بين المصلين، ولذلك سوَّلت لهم نفوسهم هذه الفتوى فهجروا المساجد، وهم لا يعلمون أنهم فرُّوا من شياطين تصوَّرَتْها أذهانُهم بوسوسة الشيطان القرين لهم.

وصِنْفٌ من المصلين يقفون في الصف متراصين اتباعاً للسنة، فترى المساجد فيها بعضهم متراصٌّ في الصف أو في جزءٍ منه، والتباعُدُ هو الأغلب.

ومن هنا تطفلت على موائد العلماء، وتدبرت المسألة، ودعوت الله تعالى أن يفتح عليَّ بالصواب، لتحرير الجواب.

( حكم التباعد بين المصلين)

(3)

 للصلاة أحكامها المعروفة صلاة الفريضة لها أحكامها، وللسنن الرواتب أحكامها، وللنوافل المطلقة أحكامها. وكل الصلوات من الفرائض والسنن والنوافل تعلمناها من هديه صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [رواه البخاري رضي الله عنه]. وهذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي أن نلتزم بِه، وأن يسري في عروقنا كسريان الماء في عروق الشجر.

الوحيان (القرآن الكريم، والسنة المشرَّفة) هما الأصلان، منهما نستقي، وباتباعهما نحيا حياةً سعيدةً في الدارين، وقد حذَّرنا الله تعالى من مخالفة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ….﴾ الآيةَ [النور: 63].

الخوف صفة جبليَّة في الإنسان؛ ينطلق الخوف من النفس فتظهر أعراضُه على الجوارح، فتختل أعمالها. والصلاة المفروضة لا تسقط عن المسلم مادام يملك الوعي والعقل، فإذا ذهب العقل ارتفع التكليف. ونحن نعلم أن أمة الاسلام هي أمة الجهاد في سبيل الله تعالى، وليست أمةَ الحروب الظالمة التي تُسفك فيها الدماءُ المعصومة، ولا أمةَ إرهاب الناس، إنها أمةُ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولا ريب أن غزواتِ النبي صلى الله عليه وسلم هي مناراتٌ هادياتٌ تنير لنا السبيل القويم، منها نتعلم الأحكام الحكيمة.

نزلت في عُسْفانَ آياتٌ بيناتٌ تعلم المسلمين أحكام الصلاة عند لقاء العدو أو الخوف من غدره؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا* وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ... [سورة النساء ١٠١، ١٠٢].

وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في عشرة مواضع.

قال الخطَّابيُّ رحمه الله تعالى: “صلاة الخوف أنواع، صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة”.

( حكم التباعد بين المصلين)

(4)

عباد الله وفقكم الله وحماكم تعلمون أن الخوفَ هو علةُ أداءِ صلاةِ الفريضةِ بهيئاتٍ كثيرةٍ خالفت نظم الصلاة في السِّلْم والحَضَر، والكلام في صلاة الخوف وما استجدَّ من أحكامها في ضوء الحروب المعاصرة بحاجةٍ إلى كتاب مستقلٍّ، لعل الله تعالى ييسر لي تأليف هذا الكتابِ المُهِمَّ؛ لأن الخوفَ أضحى في زماننا كثيراً، وصوره لا تحصى ولا تحصر.

إن متابعة المصلين للإمام فرضٌ، يجب متابعتُه في الصلاة، والتخلُّفُ عنه بأكثرَ من ركنين مخالفة، وبثلاثة تبطل الصلاة. وأحكام المأمومين كثيرة في المطولات من كتب الفقه.

وتكييف المسألة أن الاقتداءَ بالإمام واجب في الصلاة، وأما في صلاة الخوف فاختلفت صور الاقتداء، والصلاة في كل هذه الصور صحيحة بعذر الخوف من العدو مع ما فيها من مخالفة متابعة الإمام؛ لأن الغاية هي الحماية للنفس والمال من اعتداء العدو.

وفِي ضوء أحكام صلاة الخوف وما يعتريها من مسائل، فإني أرى: أن التباعد بين المصلين في صفوف الجماعة صحيحٌ؛ لوجود علة الخوف من انتشار وباء كورونا، كالخوف من غدر العدو في المعركة؛ ذلكم لأن صلاة الخوف فيها حماية للمسلمين، ونكاية بالعدو المتربص بالمسلمين، وكذلك التباعد بين صفوف المصلين فيه حماية لصحة الأبدان حتى تظل سليمة من الأسقام قوية البنيان.

إن العدو في المعركة ليفرح أشد الفرح إذا غفلنا عن أسلحتنا التي نقاتله بها. والعدو هو هو يفرح إذا انتشر الوباء في أبداننا؛ لأنه في هذه الحالة ارتاح من الإعداد والاستعداد لقتالنا، فإنه يفرح كثيراً إذا استشرى الوباء.

وخلاصة القول في المسألة:

أن التباعد بين المصلين في صفوف صلاة الجماعة يجب الأخذُ بِه، وأن يلتزم الجميع بِه.

وبعد هذا البيان لا يبقى عذرٌ للتخلف عن الجماعة، أو المخالفة بالتراصِّ؛ لأنه من السنة، فلا يصح التمسك بالمستحب بما يؤدي إلى ضررٍ محقَّقٍ، أو يغلبُ وقوعُه.

فحري بالجميع أن يلتزموا بالتباعد خوفاً من الوباء؛ أخذاً من مخالفة الإمام في الجماعة خوفاً من غدر الأعداء.

هذا ما فتح الله تعالى عليَّ بِه.

والله سبحانه الموفق والهادي إلى الصواب

والحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock