أفكار ومواقف

رسائل متضاربة عن الإصلاح

نطمئن عندما تقوم الدولة بدورها في تطبيق القانون، وإن علّمنا الربيع العربي شيئا، فقد علّمنا ان سيادة القانون وحفظ كيان الدولة بأهمية الحرية الفردية ورديفا لها، فلا حريات خارج سياق القانون والدستور، وأن حفظ كيان الدولة بقضها وقضيضها، هو بأهمية النضال من اجل الديمقراطية وحقوق الانسان، والحقيقة ان مفهوم الدولة الحديث الذي تشكل – في التاريخ الاوروبي على الاقل-، قائم على فهم ان الدولة اداة حفظ الحقوق والحريات، وانها ضرورة “لحريات المواطنين”، وأداة السهر على ضمان تمتعهم بحقوقهم وحرياتهم، وبالطبع تقديمهم لواجباتهم.
تدخل الدولة في تناقض مع جوهرها، ووظيفتها المتضمنة في العقد الاجتماعي الذي تم تثبيته في الدستور، وتبتعد عن دورها في ضمان تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم، وعندما تنسى ان سلطة تطبيق القانون بالإكراه والقوة ليس تصريحا على بياض، بل هو تصريح مشروط بتطبق احكام القانون بنزاهة وحيادية من جانب، وفي خدمة ولأجل ضمان تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم من جانب آخر، قد يبدو انني أتحدث عن دولة اسكندنافية، ولكن الحقيقة انني اتحدث عن الدولة الأردنية كما وصفها ورسم دورها الدستور الأردني النافذ – دستور العام 1952-، أعتقد ان هذا الفهم الدستوري لدور الدولة غاب عن العقل السياسي والاداري والتنفيذي للدولة الأردنية لعقود، وهي عقود فرض الاحكام العرفية منذ الخمسينيات وحتى اوائل التسعينيات، كما يبدو ان القرار برجوع الحياة السياسية والحزبية ووقف تعطيل احكام الدستور، – اقول يبدو- ان هذا الخبر لم يصل بالضرورة للوعي الكامل من العقل السياسي، وان الذهنية، ما تزال تنتمي للسرد الذي اعتمدته الدولة طوال فترة الاحكام العرفية، وهو ان تطبيق الدستور، وخاصة احكامه المتعلقة بحقوق الأردنيين وحرياتهم، يتعارض مع المصلحة العليا وأمن الدولة!
وحتى لا يبدو الكلام نظريا، من الممكن التمثيل على تصرف الدولة التي تنسجم وتفهم دورها كما بينه الدستور، بالاحتجاجات الاخيرة ضد رسالة النوايا التي وقعت مع دولة الاحتلال، الدستور يقول التجمع والتظاهر حق دستوري، حسب احكام القانون، وهذا القانون يجب ان يكون لتنظيم ممارسة هذا الحق على نحو يضمن ممارسة المواطن له، ويمنع تأذي الآخرين من مثل هذه الممارسة، ولا يجوز ان يصدر قانون او تصرف اداري يعطل تمتع الأردنيين بتلك الحقوق والحريات، او يوثر على جوهر تلك الحقوق سندا للمادة 128 من الدستور ذاته، هل التجمع كان مخالفا لتدابير السلامة والوقاية من فيروس كورونا؟ اذا كان الجواب نعم، تكون الدولة امام واجب وطني هو اصدار تعليمات واضحة تضمن التباعد اثناء عملية التظاهر، ولها بهذه الصفة ان تخالف او تحكم او تتخذ اجراءات قانونية على كل شخص يخالف تلك التعليمات، ولها ان توقع عليه الجزاء القانوني، وكل ذلك يكون من خلال القضاء وبنص القانون، ولكن لا يكون لها ان تعطل حق التجمع والتظاهر الدستوري، ويجب ان تسهر على ممارسة المواطن له، وان ترك الموضوع للحكام الاداريين وبموجب قانون منع الجرائم- مع احترامنا لهم- لا ينتمي لهذه المرحلة من عمر الدولة، ولا ينسجم مع التوجه الذي بلوره جلالة الملك في اوراقه النقاشية، وهو قطعا لا ينسجم مع روح ومخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، والمسألة ليست اللجنة ولا اعضاءها، المسألة هي في ممارسات تضعف ثقة المواطن العادي غير ذي المصلحة في نية الدولة للتحديث الاداري والاصلاح، هذا المواطن الذي هو الاغلبية “المعتدلة المعتزلة”، وهي الاغلبية التي تمثل وقود مرحلة الاصلاح، والتحديث السياسي المقبلة.
نستطيع ان نبرر ان الاصلاح سيرورة وصيرورة، وانك بحاجة لوقت وزمن وتدرج، هذا صحيح، ولكن هذا التدريج والتراكم مطلوب لغايات خلق البيئة التشريعية والسياسية للعمل السياسي، وهو مطلوب لاستعادة ثقة ذلك المواطن “المعتدل المعتزل” بنية الدولة وارادتها للإصلاح، اما على صعيد الدولة؛ فإن الامر لا يحتاج تدرج، بل يحتاج تطبيق القانون والدستور، يحتاج توضيحا صريحا كاملا واضحا، فتطبيق الدستور، ورعاية ممارسة الأردنيين لحقوقهم وحرياتهم، هو مصدر قوة الدولة واستمرارها، وان منع كتاب او قطع شبكة “النت” او توقيف طلاب او شباب، ممارسات مضى زمانها، قطعا مضى.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock