أفكار ومواقف

رسائل من الرباط إلى عمان

حزمة الرسائل التي وصلتنا من صناديق الانتخابات البرلمانية في المغرب (هل وصلتنا حقا؟) جاءت في الوقت المناسب، المهم أن نقرأها بهدوء، ونستفيد منها في إطار “ورشة” التحديث والإصلاح السياسي التي باشرت أعمالها قبل نحو ثلاثة أشهر، بانتظار أن تشهر نتائجها قبل نهاية هذا الشهر، والأهم أن تذهب هذه الرسائل الى العناوين الصحيحة، أقصد مؤسسات الدولة، والمجتمع بفئاته وتياراته السياسية كافة، ثم الإسلاميين، والإخوان المسلمين تحديدا.
ما حدث في المغرب كان درسا مفيدا في الديمقراطية والتناوب على السلطة، فقد انفرد “الإسلام السياسي” منذ عشر سنوات بتشكيل الحكومة، بعد أن حصل على أعلى نسبة من مقاعد البرلمان، لكن الناخبين اكتشفوا خلال هذه الفترة أن الذين ركبوا موجة المعارضة وأوهموهم بأنهم هم الحل “فشلوا (أو أفشلوا، لا فرق) في ترجمة وعودهم، وأن المظلومية التي استندوا اليها للوصول الى السلطة كانت مجرد شعار سياسي لاستمالة مشاعرهم وأصواتهم، عندها قرروا أن يرفعوا الغطاء عنهم، ويسحبوا التفويض منهم، فكانت النتيجة خسارتهم بشكل صادم في الانتخابات الأخيرة (حصلوا على نحو 12 مقعدا مقابل 125 مقعدا في انتخابات 2016).
حين ندقق في المشهد المغربي، نجد أننا تأخرنا عشر سنوات على الأقل في خوض مثل هذه التجربة. نجد، ثانيا، أننا دفعنا ثمنا سياسيا باهظا جراء التخويف من “فزاعة” الإخوان المسلمين مع كل انتخابات. نجد، ثالثا، أن “الإخوان” ركبوا موجة المعارضة والمظلومية ثم استثمروا في هذه الفزاعة، فيما كان من الممكن أن نترك الصناديق لتحكم عليهم، ربما لو حصل ذلك لما كانت النتيجة أفضل مما حققه أقرانهم المغاربة.
نجد، رابعا، أن الطريق الى الديمقراطية وتناوب الأحزاب على الحكم تعبّده التجربة، وتصحح مساراته حركة المجتمع، وثقة النظام السياسي به، ولا يحتاج الى مراحل طويلة تختلط فيها الشكوك بالذرائع والعراقيل، ولا إلى معارضات تدب الصراخ وأخرى تحتكر الوطنية، لأن امتحان النخب التي تتصارع على السياسة يقرر نتيجته “أصوات” الناس في الصناديق النزيهة، حيث ينجح من كان بمستوى خدمتهم، ويرسب من فشل في ذلك.
حين ندقق أكثر في الرسائل، نجد أن الإسلام السياسي، في معظم نسخه، تراجع للخلف، ليس لأن إسقاطه أو إفشاله جاء بقرار من أي جهة، وإنما لأنه فقد قدرته على إقناع الناس بمشروعه، وربما بمشروعيته. استغلال الدين هنا أضر بالدين وبالسياسة معا، والفصل بين النشاطين الديني والسياسي أصبح المخرج الوحيد لنجاة الطرفين، أما الإخوان المسلمون الذين احتفوا بهزيمة “إخوانهم” المغاربة بذريعة مواجهة التطبيع، فالأولى بهم أن يفهموا درس الهزيمة في سياقه الحقيقي، وهو “الفشل” السياسي.
المجتمع، أيضا، يحتاج الى حركة السياسة لكي ينتعش ويستعيد حيويته ونشاطه، ويحدد خياراته، ولا يجوز أن يستسلم لفكرة “الوصايات” من أي طرف، أو لاتهامات نقص النضج والوعي، لقد فعلها مجتمع المغاربة حين عاقبوا الإسلاميين وقبلهم اليساريين، وبوسع أي مجتمع حي أن يفعلها حين ينهض من عجزه وكسله، ويرفض القبول بـ”النصيب المكتوب” أو الخضوع للقدر المحتوم.
أما الدولة، بمؤسساتها المختلفة، فمعنية بالتقاط التجربة المغربية، ليس لأننا شركاء في “الاستثناء” من مخاضات الربيع العربي وارتداداته، ولكن لمشتركات أعمق تجمع البلدين، تفرض أن نستلهم مما جرى هناك، وأن نعيد “ترسيمه” في حدود مصالحنا الوطنية، والقيم التي تأسست عليها بلدنا، وفي ضوء الاستجابة لمطالب الأردنيين وطموحاتهم أيضا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock