أفكار ومواقف

رسائل وارسو

الرسالة الأولى للولايات المتحدة تبدت بتعاظم التحديات التي تواجه نفوذها الدولي بسبب ميل الإدارة الأميركية للأحادية، ما خلق فجوة مع حلفائها التاريخيين. مؤشرات ذلك تتضح في أن سيدة السياسة الخارجية الأوروبية موغريني لم تحضر المؤتمر. ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول أرسلت دبلوماسيين من المستوى الثاني لتمثيلها. روسيا والصين لم تحضرا. كل هذه رسائل سياسية واضحة للولايات المتحدة.
الرسالة الثانية أن إسرائيل تعيش أفضل لحظاتها السياسية والأمنية، ورئيس وزرائها يجني الرصيد السياسي المتأتي من انتقال كثير من أعداء إسرائيل لخانة الأصدقاء وربما الحلفاء. حجم تأثير نفوذ إسرائيل الإقليمي وعلى الولايات المتحدة كان أوضح مشاهدات المؤتمر، لخصها نائب الرئيس الأميركي بحديثه عن تقاسم الخبز بين الحاضرين من دول عربية وإسرائيل.
الرسالة الثالثة للرأي العام العربي حول عظم الفجوة بين ما تعتقده المجتمعات العربية عن إسرائيل وما تعتقده أنظمتها الحاكمة، والبون الواسع بين الأيديولوجيا التي تؤطر نظرة الشعوب لإسرائيل وبين براغماتية الأنظمة الرسمية المتجاوزة للأيديولوجيات والمحتكمة لتحديات الأمن والاستقرار.
الرسالة الرابعة لإيران أن سلوكها الإقليمي الذي يعتمد تصدير عدم الاستقرار غير مقبول وستتم مواجهته، وأن خطابها السياسي والإعلامي المتعاطف مع القضية الفلسطينية تغرير للشعوب ولا ينطلي على الرسميين، وأن بعضا من الرأي العام العربي المعجب بهذا الخطاب لن يوقف الدول في الإقليم عن مسعاها في الوقوف بوجه الدور الإيراني التحريضي والتدخلي.
الحقيقة الواضحة أن سلوك إيران الإقليمي هي الهدية الأعظم التي تقدمها لإسرائيل، والتي استغلت ذلك لتحويل أعداء الأمس إلى أصدقاء، وتؤطر لحالة من الاعتماد الأمني المتبادل في مواجهة خطر إيران التحريضي في الإقليم. لو كانت إيران دولة طبيعية في سياستها الخارجية، وجارة مسالمة لمحيطها العربي، لما اضطر هذا المحيط للتقارب مع عديدين بما في ذلك إسرائيل لخلق توازن إقليمي.
في خضم تحليلات المؤتمر وتأطيره سياسيا وأمنيا، نرى البعض يُغرق في نقاش الأولويات، معتبرا أن بعض الدول العربية أعلت من أولوية التحدي الإيراني على حساب القضية الفلسطينية التي يجب أن تبقى محور عمل الدول وأقصى أولوياتها. هذا نقاش غير عميق؛ فمن الذي أفتى أن مواجهة دول الإقليم لسلوك إيران معناه التخلي عن القضية أو التنازل عن المضي في إيجاد حل لها، وأن إحقاق العدالة للشعب الفلسطيني مفتاح الاستقرار الاقليمي؟ ألا يمكن للدول أن تواجه تحديين في آن معا؟ أم أنها مضطرة للتعامل مع كل ملف على حدة متناسية الملف الآخر؟ كيف نتبنى الرواية الإيرانية الخادعة بإسقاط العرب أولوية القضية الفلسطينية هكذا بسذاجة ودون تفكّر.
لا إيران ولا الحرب على الإرهاب ولا غيرها من التحديات تستطيع الانتقاص من مركزية ومحورية القضية الفلسطينية، بل إن المنطق يقول إن كل التحديات الإقليمية تجد دالتها السببية بطريقة أو بأخرى إلى القضية الفلسطينية وغياب العدالة عن الفلسطينيين. لم نكن نحتاج إلى كل هذا النقاش، أو أن تذهب الدول لوارسو، لو تصرفت إيران ضمن مبادىء حسن الجوار، أو لو أنها تتوقف عن تصدير عدم الاستقرار كأحد أدوات سياستها الخارجية الرئيسية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock