أفكار ومواقف

رسالة أميركية

بحسب آخر استطلاع للرأي، أجرته مؤسسة بلومبيرغ وصحيفة لوس أنجليس تايمز، ونشر يوم الأربعاء الماضي، 12/4/2006، يؤيد 48% من المستطلعة آراؤهم عملا عسكريا ضد إيران في حال استمرارها في برنامج تخصيب اليورانيوم، مقارنة بنسبة بلغت 57% في الاستطلاع الذي أجري في شهر كانون الثاني الماضي. أما على صعيد معارضة هكذا عمل عسكري، فقد ارتفعت النسبة في الاستطلاع الأخير إلى 40% بعد أن بلغت في الاستطلاع السابق 33%. وبالتأكيد، فإن أهمية هذه الأرقام يتجسد في الأسباب التي تقف وراء التغير الذي طرأ عليها.


أول الاسباب حتما هو درس “المستنقع العراقي”؛ إذ يصدق 37% فقط من المشاركين في الاستطلاع “الرئيس بوش عندما يقول إن الأمور تتحسن في العراق”. أما السبب الثاني، والذي هو رأي الخبراء والمطلعين أكثر مما هو رأي الجمهور الأميركي، فيظهر في حقيقة توزع المنشآت النووية الإيرانية على مناطق مختلفة، الأمر الذي يجعل من أي عمل عسكري ضد إيران غير حاسم أبدا، بل وعامل تسريع لبرنامجها النووي؛ وأيضا وجود بعض تلك المنشآت ضمن مناطق سكنية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة “الأخلاقية!”، وبالتالي السياسية، لهكذا عمل.


لكن السبب الأهم الذي تتفق فيه الإدارة الأميركية مع شعبها، بل كان نتيجة جهد “توعوي” أميركي رسمي لهذا الشعب، فيظهر في الخشية من لجوء إيران الحتمي إلى ما تسميها الولايات المتحدة الأميركية بـ”المنظمات الإرهابية” للانتقام من أي عدوان أميركي أو إسرائيلي، وبما يهدد المصالح الأميركية لا في المنطقة فحسب، بل وعلى امتداد العالم.


هنا تحديدا ليس مهما أبدا الدخول في تعريف “الإرهاب”، رغم أن الولايات المتحدة الأميركية تدرج حزب الله اللبناني ضمن فئة المنظمات “الإرهابية” المدعومة من إيران، والذي يكاد يكون ثمة إجماع بشأنه في الشارع العربي والإسلامي على أنه حركة مقاومة وليس منظمة إرهابية؛ بل ومهم في هذا السياق تبني المفهوم الأميركي للإرهاب، بكل مشتملاته ومضامينه، ليكون التساؤل الذي لا مفر منه: هل غدا الإرهاب رادعا حقيقيا للولايات المتحدة، وبالتالي لإسرائيل من خلفها؟


الإجابة من دون أي تردد هي نعم! أما المؤشرات على ذلك فلا تقف عند إيران التي بات المسؤولون الأميركيون يتباكون على تفويت فرصة الحل الديبلوماسي معها، بل ثمة مؤشرات أوضح تظهر في فلسطين.


فتولي حركة حماس للسلطة الفلسطينية بعد أن كانت المسؤول الأول عن أكثر العمليات المسلحة ضد الإسرائيليين، كان يعني حكما تراجعا كبيرا في هذه العمليات لحساب الانخراط في السياسة، ناهيك عن إشارات كثيرة من قبل الحركة في هذا الاتجاه، ما يفضي في المحصلة إلى مزيد من الأمن لإسرائيل، لكن الرد الأميركي-الإسرائيلي لم يكن أقل من أخذ كامل الشعب الفلسطيني رهينة لإسقاط حركة حماس! ولتسقط مباشرة بالتالي ذريعة الحرص على مسيرة التسوية، فقد بات واضحا أن الهدف من حرب التجويع وسواها ضد الشعب الفلسطيني إنما هو الاعتراف بحق إسرائيل في احتلال الأراضي الفلسطينية والتنكيل بالشعب الفلسطينيين، ولا شيء سوى ذلك.


لكن إذا كان من الممكن اعتبار عملية تل أبيب يوم أمس دليلا على وصول الرسالة الأميركية (والإسرائيلية) المشجعة لما تسميه “إرهابا”، إلا أن الحقيقة التي تعول عليها الولايات المتحدة وإسرائيل هي وجود بون شاسع بين “الإرهاب” الإيراني “الرادع” وبين “الإرهاب” الفلسطيني، بل إن هذا الأخير قد يكون فرصة تقدم على طبق من ذهب لإسرائيل للقيام بالخطوة الحاسمة لإعلان انتصارها النهائي، وهو ما يفسر الجرائم الاستفزازية الإسرائيلية، بدعم أميركي كامل، حتى بوجود أشد المؤيدين للسلام مع إسرائيل في السلطة الفلسطينية.


لكن ما سبق معناه تعامي الإدارة الأميركية عن حقيقة أن ما يحدث في فلسطين يؤثر في ملايين المسلمين في أقاصي الأرض، ويشكل رؤاهم وتوجهاتهم نحو أميركا، وأن الممارسات الإسرائيلية المدعومة أميركيا كانت السر وراء شعبية القاعدة وبن لادن، حتى يوم لم يكن هناك عراق محتل؛ فهل تبحث الولايات المتحدة فعلا عن شركاء سلام أم هي تتوق وتسعى إلى خلق شركاء في الإرهاب؟!


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock