آخر الأخبارالغد الاردني

رسالة إلى الأمير الحسن بن طلال في عيد ميلاده

عبد الله توفيق كنعان
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،
فاستقبل يا سيدي شهر آذار من كل عام وفي النفس أقوال وعبارات أحاول جاهدا بقلمي وحروفي صياغتها والكشف عن بليغ معانيها، كيف وهو الشهر الذي يصادف فيه الاحتفال بيوم الكرامة وعيد الأم التي تربينا جميعاً على يديها واكتسبنا مفردات الانتماء والوطنية والكرامة والسلام، وفي هذا الشهر أيضاً أجدني مستذكرا ذكرى عيد ميلاد سموكم حفظكم الله وتمضي الأيام والسنين وأنا أتشرف بالعمل بمعيتكم حيث حظيت فيها بالدراية والخبرة التي استقيتها وتعلمتها من مدرسة الحسن وصرحه الرفيع، وهي منبع المعرفة المتنوعة والوطنية والقومية والإنسانية بأصدق معانيها وأجل صورها.
وتتملكني الكثير من الحيرة وأنا أمسك قلمي لأخط اليسير من سيرتك يا سيدي، فهل أخص بالحديث تناول إنجازاتكم وعطائكم أم أخص الحديث بالاشارة عن تفانيكم وعملكم الدؤوب برفقة الراحل المغفور له الملك الحسين بن طلال، حيث كان لسموكم الاهتمام بالشأن الوطني والقومي والإنساني ليقينكم بأنكم جزء من هذا الوطن تحمله في ثناياكم وتحفظ أسماء الكثير من أهله؛ كنت تتفقدهم يا سيدي أثناء جولاتكم تشاطرهم الهم والأمل والتفكير بالمستقبل، لقد جعلتم سموكم من مناداتكم وحرصكم على الإنسانية شعارا مقرونا بالعمل حيث بدأتم عامكم الخيرّ بزيارة مخيم البقعة للاجئين، اردتها رسالة عالمية مفادها أن الإنسانية هي نقطة البداية والغاية إذا اردنا التنمية والتطور، فمن اقوالكم في ذلك “لقد شكَّلت التحديات العابرة للعقود في عصرنا الحالي الدوافع الأساسية لنداء كان لي شرف المشاركة في توجيهه إلى الأمم المتحدة مع ثماني وعشرين شخصية من أنحاء العالم، في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، للمطالبة بنظام إنساني عالمي جديد ضمن ما يسمى اليوم بأهداف التنمية المستدامة”، ولطالما اشرتم بأن إنسانية الإنسان وحقوقه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا وفرت له الحاجيات الاساسية من الماء والغذاء والصحة والملاذ الآمن، وها هي اليوم تشكل محور الصراع وجوهر التنازع والاضطراب، وقد ساهتم في وضع العديد من الاستراتيجيات لتفادي ما ينتج من مشكلات في حال نقصها أو عدم توفرها، فكانت توجيهاتكم بإنشاء المعاهد والمراكز المعنية بذلك ومنها معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا “WANA” الذي يهدف لتعزيز الانتقال إلى سياسات وبرامج ترتكز على الأدلة لمعالجة تحديات التنمية والتحديات الإنسانية التي تواجهها منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا.
وسموكم ممن يؤمن بأن الحراك والانتقال الإنساني هو أساس مهم في نقل المعارف والحضارات فعندما يتحرك الإنسان فان الثقافات التي يحملها تتداخل وتتبادل مع غيرها، وبالتالي يكون في انتقاله نشر للقيم الايجابية، وهو بذلك يعزز بنية المناخ لظهور صورة من صور الوئام والتعايش مع الآخر، والذي يمكن تفعيله وصياغته من خلال الحوار، كما ان نظرتكم الثاقبة اتجهت نحو تنبيه المهتمين لأهمية رصد التفاعلات الانسانية السلبية التي قد تنشأ بسبب اختلاف وجهات النظر وتصادمها، فدعوتم يا سيدي لتأسيس مرصد اقليمي في المشرق العربي تكون له وظيفة الرصد والتصدي للصور النمطية السلبية، والتعصب، والاستقطاب وغيرها مما قد تواجهها المجتمعات، بمعنى آخر يكون مركز انذار مبكر يحمينا من ظهور آثار سلبية لا تحمد عقباها على مجتمعاتنا وعالمنا العربي والإسلامي والإنساني.
وها نحن بالأمس القريب نكتوي يا سيدي بنار التعصب والحقد والكراهية لكل ما هو إنساني مستذكرا ما قام به سموكم من حوارات ومؤتمرات ضمت علماء من مختلف العقائد والمذاهب من أجل نشر المحبة والوئام بين البشر.
ولأن الواقع العربي والإسلامي ما يزال يعاني الكثير من التحديات ولا يحقق الطموح المطلوب، ومن أجل تجاوز ذلك عرض سموكم العديد من المقترحات التي تمثل بحق استراتيجية عمل عربي ترتقي بالواقع وتجعلنا قادرين على تجاوز مشكلاته، اشرتم أولا: لاستنهاض الجامعة العربية على مستوى القطاع العام والخاص والمجتمع المدني، وذلك باقامة مجلس اقتصادي اجتماعي ينقل أفكار وأولويات الإقليم فضلا عن الاستماع للأفكار والأولويات المفروضة عليها، وثانيا: انشاء صندوق عالمي إنساني للزكاة، حيث أن زكاة المسلمين تستطيع أن ترسم الابتسامة على وجه الإنسانية فهو بنظركم أهم استثمار أمني لأنه معني بالاقتصاد ومحاربة البطالة والفقر، وثالثا: تأسيس “جمهرة مواطني المشرق” لهذه المنطقة بمشاركة الجميع في رسم سياسة المنطقة من منطلق المواطنة الجامعة للتنوع والجالبة لثمار التنمية الشاملة.
أما القضية الفلسطينية وجوهرها القدس، فانها شغلكم الشاغل ولطالما وجهتم العالم الى أنها مفتاح السلام ليس في منطقتنا فحسب بل في العالم كله، وعن خصوصيتها لدينا كعرب ومسلمين وحول دورنا تجاه حمايتها أشرتم خلال العام الماضي الى خطورة قرار ترامب وتداعياته على المنطقة وعملية السلام، وشددتم أن على العرب الالتفات للولايات المتحدة والعمل على مطالبتها بان يكون دورها ضاغطا على إسرائيل والتحرك كذلك مع المجموعة الأوروبية وروسيا والصين لخلق توازن دولي إضافي ضاغط على إسرائيل في ظل وقوف بعض الدول في صفها، وعن مكانة القدس لنا وعن طبيعة الدور الذي يمكن أن نقوم به تجاهها، وكان اهتمامكم بالأوقاف مرحلة في تعزيز صمود المقدسيين حيث دعوتم سيدي لتحويل مفهوم الوقف إلى إدارة سليمة بالمستقبل، وتأسيس رواق علمي ومعرفي في القدس يهتم بدراسة الوقف، ولا شك أن الاوقاف تمثل اليوم عنصر حماية ودرعا واقيا مهما للقدس لكننا بحاجة إلى تفعيله واستثماره للحفاظ عليه كمؤسسة حيوية تدعم صمود أهلنا في القدس، كما وأكدتم سموكم على أن الاستراتيجية التكاملية بعيدة المدى تجاه القدس يجب أن تتضمن عملا شاملا ينطلق من محورين هما: أولا: النشاط والحراك الدبلوماسي النشط المستمر والمتمسك بالشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني اقامة دولته على ترابه الوطني وعاصمتها القدس، وثانياً: المحور الثقافي القائم على المنهج العلمي في البحث في شؤون القدس، لذلك عمد سموكم مؤخراً الى مباركة إنشاء مركز الحسن للدراسات المقدسية في جامعة القدس، اضافة الى رعايتكم صدور الاعمال التأليفية الموسوعية في هذا الاتجاه، لتكون هذه الاستراتيجية الثنائية (الدبلوماسية والثقافية) سبيلاً للدفاع وحماية وترسيخ الهوية المقدسية الحضارية.
سيدي يطول التجوال في فكر سموكم الإنساني والمعرفي الرحب، أدعو الله العلي القدير أن يحفظ سموكم والعائلة الكريمة من كل سوء ومكروه ويديم عليكم الصحة والعافية ويكلل حياتكم بالرضا وراحة الفكر وهدوء البال، وليبقى الأردن موطن العز والكرامة والحرية في ظل قيادته الهاشمية الرائدة.
وكل عام وأنتم والأسرة الهاشمية الكريمة بألف خير، ، ،

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock