أفكار ومواقف

رسالة الملكة رانيا

المسار الذي يتخذه الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد يترك مساحة لوجهات النظر الموضوعية أو الآراء المتوازنة. الوسائل ذاتها تدفعك دفعا لتختار بين خندقين لا ثالث لهما؛ مع أو ضد، وفي معظم الحالات الأفضل لك أن تكون في خندق المعارضة الكلية، كي تنال استحسان الجمهور.
الملكة رانيا العبدالله اختارت التواصل الاجتماعي لنشر رسالة مطولة ترد فيها على ما طالها من حملات إساءة واتهامات بلغت ذروتها في أسابيع إضراب المعلمين، وتركزت على دورها في تأسيس ودعم أكاديمية تدريب المعلمين، وبرامج إصلاح التعليم في الأردن.
انقسمت الآراء حيال مضمون الرسالة، التي حملت في طياتها عتبا “بقدر المحبة” على ما لحق بها من إساءات، يكاد يجزم الكثيرون أن مردها حسابات وقناعات لا صلة لها أبدا بدور الملكة في الخدمة العامة. لكن الصدى الواسع والتفاعل المستمر معها يعود لأسباب تتعلق بالبيئة السياسية في البلاد، والشعور العام بضعف مؤسسات السلطة التنفيذية، وفي هذا المقام حديث طويل لا يحتمله موضوع المقال.
اختارت الملكة رانيا في وقت مبكر أن تنخرط في العمل العام، وتساهم إلى جانب مؤسسات أخرى في الأردن برفد وإسناد الهيئات الرسمية والحكومية في عملها لتحقيق فروق ملموسة تنعكس بشكل إيجابي على المجتمع، في قطاعات المرأة والطفل والتعليم.
ولا يختلف هذا الدور عما كان عليه الحال مع ملكات وشخصيات من وزنها لعبوا وما يزال بعضهم يلعب دورا في الحياة العامة والعمل الاجتماعي. لكن في زمننا الحالي يبدو أن لهذا الدور كلفة سياسية وشعبية، تفرض على من يتصدى لها حتى لوكانت ملكة القبول بالتنازل عن قدر من الحصانة التي تتمتع فيها العائلة المالكة.
اعتقد أن الملكة رانيا كانت تدرك ذلك مبكرا كما قلت، ولهذا كانت مستعدة دائما للانخراط في نقاش موضوعي وناقد للدور الذي تؤديه في الميدان. نقاش لعمل الهيئات والمؤسسات وجدوى برامجها وبما نجحت أو اخفقت في تحقيقه. لكن نقطة الاعتراض كانت دائما على انزلاق هذا النقاش، وكما يحدث معنا في كل الميادين، إلى المستوى الشخصي، ووسيلة لتوجيه الإهانات والحط من مكانة الشخصية العامة، وترويج الإشاعات والأكاذيب والاتهامات دون سند أو دليل.
من قال إن أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين وبرامجها محصنة من النقد والمساءلة؟ المهم أن يكون لأغراض تصويب الاختلالات إن وجدت وتعديل المسار لتحقيق الغايات، لا منصة لتحطيم مشروع إصلاح التعليم في الأردن وكسر شوكة من يدعم هذا البرنامج الذي أجمعت عليه الأغلبية من الناس.
مثل كل شخصية عامة تستطيع الملكة رانيا أن تنأى بنفسها عن الشأن العام، وتريح رأسها من وجع المسؤوليات، وتتفرغ لحياتها الخاصة، لكن ما معنى هذا الشعور لكل من يندفع من شبابنا اليوم لتحريك المياه الراكدة في بلدنا الذي يكاد يختنق من شدة الأزمات والتحديات والمصاعب؟
الإحباط من قدرتنا على التغيير يملأ الفضاء العام. أنا شخصيا أشعر بذلك وأكاد أسقط في حفرة عميقة جراء حالة الإحباط مما يدور حولنا، ومن عجز السلطات المسؤولة عن إدراك الحاجة لصناعة التغيير، ولا أعلم من أين تأتي الملكة بكل هذه العزيمة لتواجه تيار السلبية الذي يأسرنا، وانعدام الحس بالمسؤولية والرجولة الذي يتملك مسؤولينا. لا شك أنها مغامرة تنطوي على قدر كبير من الشجاعة، لا نعرف نهايتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock