أفكار ومواقف

رسالة حزبية في توقيت ملغوم

الرسالة التي وصلتنا من آخر “نسخة” حزبية انضمت لقائمة الأحزاب المرخصة، كانت صادمة ومخيبة للآمال والتوقعات، ليس فقط لأنها المرة الأولى التي يتقدم فيها حزب بالشكر علنا (على تذليل الصعاب أمام تأسيسه) لمؤسستين وطنيتين لا علاقة لهما بترخيص الأحزاب (الديوان الملكي والمخابرات)، وإنما لأنها جاءت في توقيت ملغوم، مفتوح على الآمال والطموحات من جهة، والشكوك والخيبات من جهة أخرى.
في إطار الآمال المعلقة، أخرجت لجنة تحديث المنظومة السياسية مقترحاتها تحت عنوان “الحزبية البرامجية هي الطريق للبرلمان وتشكيل الحكومات”، وأوصت بتخصيص نحو ثلث مقاعد البرلمان (٤١ مقعدا) للأحزاب، كما تم فك ارتباط الأحزاب بوزارة الشؤون السياسية وإناطة تنظيمها بالهيئة المستقلة للانتخاب.
الحكومة، أيضا، وافقت على المقترحات، ومن المتوقع أن تحيلها للبرلمان، كما هي، ما يعني أن “التربة” السياسية أصبحت مهيأة لاستقبال الأحزاب وفحصها بمختبراتها الشعبية، حتى جاء هذا الخطاب الحزبي ليعيد للذاكرة الشكوك والإكراهات التي ساهمت بإجهاض الحياة الحزبية فيما سبق.
منذ أكثر من ستين عاما، انحبس مطر الحزبية في سماء بلدنا، وحتى عندما تم السماح للأحزاب باستئناف نشاطها عام 1990، ظلت الأحزاب تعاني من سطوة الوصايات واشتباكات الأمني والسياسي، وبالتالي تجمدت الرغبة الشعبية بالانتماء للأحزاب، بعد أن فقدت الثقة بها، وحين اكتشفنا أن السياسة ستظل معطلة بدون سكة حزبية تسير عليها، وخرجنا بوصفة “دعم الحزبية”، لم ننتبه إلى أن الحزبية فكرة وليست مجرد هياكل وآليات، وأن تعميمها على المجتمع وإقناعه بها لا يتم بكبسة زر، وإنما يحتاج لممارسة سياسية طويلة، واختبارات صعبة وعميقة.
الأصل، بالطبع، أن تخرج شهادة ميلاد أي حزب من المجتمع، فالأحزاب هي المعنية بإنتاج الوسائط السياسية التي تمثل الناس، وتتحدث باسم الضمير العام، وسواء وصلت لتشكيل الحكومة أو ظلت في دائرة المعارضة، فإنها تستمد مشروعية عملها ونفوذها واستمرارها من ثقة المجتمع بها، كما يفترض أنها تتعامل مع المؤسسات الفاعلة في المجال العام، سواء كانت رسمية أو مدنية، بمنطق التنافس والندية، لا بمنطق الهيمنة أو التبعية.
لا تحتاج مؤسساتنا حين تقوم بواجبها لمن يشكرها، يكفي أن نقوم بواجبنا لكي تتكامل جهودنا في خدمة بلدنا، لكن ثمة متطوعون -للأسف- يتوزعون على مختلف حقول الشأن العام، يتعمدون إقحام مؤسساتنا من أجل التغطية على فشلهم، أو البحث عن مصالحهم الشخصية، أو لإيهام الآخرين بأنهم تحت الحماية والدعم، حسنا فعل الديوان الملكي حين نفى أي صلة له بموضوع ترخيص الأحزاب، وحسنا تفعل مؤسساتنا الأخرى لو أغلقت الأبواب أمام أي شخص يحاول التسلل اليها، لإقحامها فيما لا علاقة لها به.
إذا كنا جادين فعلا بالتأسيس لمرحلة حزبية جديدة، فإننا نحتاج إلى رسائل (مواقف إن شئت) دعم حقيقية، لا مجال فيها للاستهانة بذكاء الناس، لا سيما وأن ذاكرة الأردنيين ما تزال مزدحمة بالخيبات والشكوك، خاصة فيما يتعلق بالتجربة الحزبية، فأي خطأ – مهما كان صغيرا- سيعيدنا خطوات للوراء، وبالتالي فمن الواجب على الجميع أن يفسح الطريق أمام الأردنيين، والشباب تحديدا، للعبور نحو الأحزاب الوطنية، على اعتبار الحزبية مطلبا وطنيا، وليس مجرد ديكور لتزيين الصورة فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock