أفكار ومواقف

رفع المعنويات بدلا عن الخبز

لم يكن غريبا ان تقرر الحكومة، خفض دعم الخبز في موازنتها العام المقبل، إذ إن نائب الرئيس في ذات الحكومة وقبيل استقالته سبق وسجل اعتراضا على دعم الخبز.
اعتراضه قبل أشهر، كان حول قيمة المبلغ الإجمالي الذي تقول الحكومة انها تدفعه للمواطنين، وكانت هذه التلميحات المبكرة، دليلا على وجود اتجاه جديد لخفض المخصصات، وهذا ما حدث فعليا، إذ إن موازنة العام الجديد شهدت خفضا بقيمة 25 بالمائة تقريبا، وانخفض المبلغ من 248 مليون دولار الى 183 مليون دولار، وهذا يعني ان المستفيدين البالغ عددهم ستة ملايين الا قليلا، سوف ينخفضون عند دفع الدعم لاحقا.
المفارقة هنا تكمن في عدة أمور، ان كل الغلاء الذي يعايشه الناس، بطريقة صعبة جدا، تم ترميزه وعنونته بقصة الخبز فقط، وكأن دعم الخبز في الأساس، يحل بقية المشاكل، او ان مشاكل الناس كلها تتمحور حول رغيف الخبز، واذا كنا نعرف ان هناك عائلات كثيرة يدخل الخبز مكونا أساسيا في كل وجبات طعامها بدلا عن المواد الغذائية الأكثر فائدة واهمية، الا ان هناك هموما أخرى، تلفح وجوه الناس، من شدة حرارتها، في الليل قبل النهار.
الخبز ليس كل القصة في الأردن، لكن التأثر بهذا الملف، ارتبط بغضبة المواطنين في التسعينيات من حكومة عبد الكريم الكباريتي التي كانت اول من رفع أسعار الخبز مقابل التعويض النقدي، وبقي الخبز عنوانا في كل القرارات الحكومية، وشعارا في كل ردود الفعل الشعبية، حتى يومنا هذا، هذا مع الاعتراف هنا، ان القضايا التي تثقل البيوت تتجاوز الخبز بكثير، لكن كما اشرت بقيت قصة الخبز، رمزية، مثلما تتاجر الحكومات بقصة دعم أسطوانة الغاز، والحفاظ على سعرها، او خفض سعر الكاز عند مطلع الشتاء، وهي كلها إجراءات لا تغير من الواقع شيئا، امام المصاعب الأكبر التي تعصف بالجميع.
سنرى عند صرف دعم الخبز العام المقبل، تغيرا في قوائم المستفيدين، من حيث التصنيفات، وما يمكن تسميته الشرائح المستحقة، وهو الامر الذي سنراه أيضا على صعيد الكهرباء والماء، وتغير الشرائح واسعارها، بما يعني ان هناك تغيرات جذرية على صعيد هذه القضايا، وربما قضايا أخرى سوف تتضح لاحقا حين نعرف طبيعة الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي، وكيف سيتم التعامل مع اشتراطات الصندوق، ومطالبه.
الحكومة بالمقابل تلجأ الى حملة لرفع المعنويات من حيث الحديث عن تحسن الأرقام الاقتصادية، او شرح طبيعة حزمها الاقتصادية، والفوائد التي سوف تنعكس على الناس، والسلبية التي يرد بها الناس على الحكومات بشكل عام، سببها يعود الى ان الناس لا يلمسون مباشرة اي نتائج، مع الإقرار هنا باتخاذ الحكومة الحالية لبضعة قرارات جيدة.
بين أيدينا ادلة تتحدث عن اغلاق آلاف المحلات التجارية في عمان والزرقاء واربد، وعدم تجديد للرخص، إضافة الى ارتفاع الاستدانة الشخصية على مستوى قروض الافراد لتصل اكثر من سبعة وعشرين مليار دينار اردني، بارتفاع وصل خلال العام الجاري بما يتجاوز المليار دينار، أي ان نسبة الارتفاع في الاقتراض شهريا، تتجاوز المائة مليون دينار اردني، ولو ربطنا كل ما سبق مع ظواهر بيع المحلات التجارية او اغلاقها، ثم ظاهرة الشيكات المرتجعة وقيمتها، والتعثر المالي، وهروب التجار، ومشاكل القطاعين الصناعي والزراعي، وعدد المطلوبين للتنفيذ القضائي، لعرفنا بكل بساطة ان هناك انجمادا اقتصاديا .
نقد حملة رفع المعنويات بالمعنى السياسي، لا يأتي تنفيرا من الحياة، و لا بثا للسلبية، بل لنقول ان رفع المعنويات ليس بديلا عن الخبز، بالمعنى المجازي للخبز هنا، اذ لا بد ان يلمس الناس، تحسنا فعليا، على مستويات كثيرة، لكن الاستبسال بالرد عبر الأرقام او تطمين الناس، على مستقبلهم، يؤدي الى انفصام كبير، فما يسمعونه شيء، وما يرونه شيء آخر تماما، وهو امر يتفق عليه اغلبية المواطنين.
اذا استطاعت الحكومة الحالية، فك العقد عن القطاع الخاص، ثم اقناع الناس بتسييل مدخراتهم المجمدة في المصارف، تكون قد حققت شيئا ملموسا، وبدون ذلك، سنبقى ندور حول انفسنا، كلام جميل يرفع المعنويات، يراد من الجائعين تصديقه وتكراره.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock