أفكار ومواقف

رقابة مسبقة

على خلاف التوقعات بفضاء إلكتروني بلا قيود تعود منصات التواصل الاجتماعي، وإن كان بشكل بطيء إلى اعتماد المبادئ تقريبا التي تحكم النشر في وسائل الإعلام العريقة كالصحف والمجلات والتلفزيون والإذاعات المرخصة.
مع طغيان محتوى يحض على الكراهية والعنف والجنس والتحرش وسيل من الأخبار الكاذبة، لجأت أشهر منصات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وواتساب إلى فرض قيود صارمة للحد من التجاوزات في المحتوى.
مؤخرا أعلنت شركة “فيسبوك” عن تغييرات جوهرية سيلمسها أصحاب الحسابات قريبا ترمي إلى إزالة المحتوى الذي ينتهك معايير المجتمعات. من بين هذه التغييرات انتهاج سياسة الحظر الاستباقي في خطوة تشبه أسلوب الرقابة المسبقة التي كانت تفرضها الحكومات على وسائل الإعلام.
“فيسبوك” قررت وضع علامة تبويب جديدة على صفحاتها باسم “جودة الصفحة” توضح المحتوى الذي تمت إزالته لانتهاكه المعايير الاجتماعية، أو ما تم تصنيفه على أنه أخبار كاذبة.
وتنوي الشركة حسب فحوى بيان لها نقلته “الغد” أنها ستحدد أنواعا عدة من المقالات الإخبارية ذات التصنيف المنخفض، بما في ذلك المحتوى الذي تم تصنيفه حديثا بأنه “كاذب” أو “مختلط” أو “عنوان كاذب” من قبل جهات خارجية للتحقق من الأخبار. وستلجأ بشكل استباقي إلى إزالة صفحات حتى قبل أن تلبي الحد الأقصى الذي يستدعي حذفها، في أسلوب يعادل الرقابة الذاتية التي تفرضها وسائل الإعلام على المحتوى لضمان صدقيته وجودته وعدم انتهاكه لمعايير المجتمع السائدة.
“واتساب” المملوكة لشركة “فيسبوك” اتخذت من قبل إجراءات مشابهة للحد من تداول الأخبار الكاذبة. قبل فترة وجيزة قرر فرع الشركة في الهند تخفيض عدد الحد المسموح به لمشاركة رسائل الواتساب من عشرين إلى خمسة حسابات، وذلك بعد انتشار رسالة تحض على الكراهية تسببت بمواجهات عنيفة خلفت 25 قتيلا.
وعلى نطاق وطني أصبحت الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي مضطرة لاتخاذ إجراءات تتفق والمعايير القانونية السائدة، للحد من تداول الإشاعات والأخبار الكاذبة، تحت ضغط من الحكومات والمنظمات الأهلية التي تكافح الجريمة والمخدرات وتجارة الجنس. وبشكل عام بدأت هذه المنصات تتخلى عن خططها الطموحة للتحول إلى وسائل إعلام تنافس الوسائل التقليدية، بعدما ضربت الأخبار الكاذبة والمعلومات المفبركة مصداقيتها. ولم يعد من منقذ لها سوى الحضور المتزايد للمحتوى المهني والمنسوب لمؤسسات إعلامية ذات مصداقية على تلك المنصات.
يتيح التطور التكنولوجي يوما بعد يوم الفرصة لمزيد من التداول الحر للمعلومات والأخبار والأفكار. وفي السنتين المقبلتين سنشهد التحول للجيل الخامس في مجال الاتصالات، حاملا معه آفاقا واسعة وغير مسبوقة للتواصل الإنساني. لكن القلق من تأثيرات الحرية المطلقة بدأ يهيمن على تفكير المجتمعات، وعلى منتجي وموزعي الخدمات، ويفرض مراجعة دورية للحد من الانتهاكات المصاحبة لغياب القيود. الحكومات حول العالم تعيش تحت هذا الكابوس، والشركات المعنية لم تعد قادرة على تجاهل النتائج الكارثية لغياب الرقابة وها هي تسابق الزمن لفرض قيود لقهر الزمن وإنقاذ القيم الإنسانية من السقوط.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock