أفكار ومواقف

روان تديننا كلنا!

النداء الذي وجهته الطبيبة روان، والتي تم الاعتداء عليها بالضرب على يد أحد المرافقين لمريض في مستشفى الأمير حمزة بعمان، يكشف مدى القهر الذي تشعر به تلك الفتاة التي تم التعدي على إنسانيتها ومهنتها ووجودها كله، كما يكشف عن العنجهية والفوقية التي يلجأ إليها البعض في التعامل مع الآخرين!
أما التعاطف غير المسبوق الذي أبداه المجتمع مع الفتاة في محنتها وإدانتهم للاعتداء عليها، وعلى أهميته، إلا أنه لن يكون كافيا لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات التي تشوه صورة مجتمعنا، وتوقع ظلما كبيرا على أفراد يحاولون القيام بعملهم وتأدية الأمانة الملقاة على عاتقهم، خصوصا حين نسمع أصواتا نشازا تطالب بأن نسمع رواية الطرف الآخر، أي المعتدي، وهي مطالبات غريبة لا يمكن أن يتفوه بها عاقل!
خلال العقد الماضي، حصلت عشرات حالات الاعتداء على أطباء وكوادر طبية في العديد من المستشفيات، كثير منها كان لأسباب تافهة تعبر عن أمراض نفسية تحملها شريحة كبيرة من المجتمع، وتنطلق منها في تعاملها مع الآخر. ولنعترف أيضا، بأن النظرة إلى شاغل الوظيفة العامة تدنت كثيرا بسبب سياسات حكومية لم تستطع إنصاف هذه الفئة، لذلك أصبح التعدي على الموظف العام لفظيا وحسيا أمرا مباحا لدى قطاع واسع من المواطنين.
عشرات الحالات التي وثقها الإعلام رافقتها رخاوة شديدة في تعامل أجهزة الدولة معها، لذلك تفاقمت المشكلة بدلا من أن نعمل على حصارها وحلها. والثابت أيضا، هو أن التعامل الرسمي مع هذه الظاهرة لم يكن كافيا لوضع حد لتفاقمها، بل على العكس من ذلك تماما، فقد فتحت الباب واسعا لسياسة “تطييب الخواطر” والجاهات التي أثرت كثيرا على مبدأ سيادة القانون وتركت المعتدين من دون حساب، فزادوا في غيهم، وأثروا في غيرهم ممن تبنوا “ثقافة” العنف التي لا يطالهم بعدها شيء في نهاية المطاف. وهذه السياسة هي نفسها التي تركت المجني عليهم يواجهون ألمهم وقهرهم وضعفهم وحيدين من دون سند، لتتولد لديهم قناعات صارمة بعدم وجود أي عدالة، وربما بالزهد في الوظيفة التي لا تستطيع الدولة حماية كينونتهم وإنسانيتهم فيها!
حادثة الاعتداء على الطبيبة روان ينبغي أن تمثل لافتة قوية لتعظيم العقوبات التي ينبغي إيقاعها على من يعتدي على موظف عام خلال عمله، وفتح باب تعديل التشريعات بما يوفر حماية قانونية حقيقية لهم، وبما يضمن سلامتهم وأمنهم، وإلا فإننا سنحكم على أنفسنا بأن نكون مجتمعا عنيفا وغير حضاري.
روان تجرأت على نشر قصتها، وكسرت حواجز اجتماعية عديدة في هذا السياق، فتحصلت على تعاطف مجتمعي كبير، وآزرها معظم من قرأوا قصتها المحزنة التي تديننا كلنا. لكن ماذا عن العشرات الذين بلعوا ألمهم والظلم الذي تعرضوا إليه ، ولملموا جراحهم وهم يسقطون حقهم الشخصي مع أول “جاهة” طرقت بابهم!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock