ثقافة

رواية “أيام في الجنة”: رسم الشخوص بمقاييس مجتمعية

   بيروت – تبدأ الرواية بأسلوب بسيط يسير بهدوء وتتابع ويتسم بقدرة وصفية بارزة تنقل الحياة في المدينة بحركتها واجوائها ونبضها القوي والهاديء الخافت في شكل خاص.


الا انها في رسم الشخصيات ووصف “الاحداث الداخلية” ونقلها ليست على هذا القدر من التوفيق من حيث رسم ما يجري داخل النفس ولا في نقلها نقلا مقنعا لكثير مما يدور بين الاشخاص انفسهم.


وتبدو الشخصيات فيها مرسومة عقليا بمقاييس اجتماعية وخلقية كما تبدو هذه الشخصيات كأنها لا تهتز من الداخل اي لا تحركها الانفعالات بل تعبر عن نفسها في جدل عقلي يسير وفق خطوط تلك المقاييس من اجل ان يخالفها في الغالب.


المقصود بذلك ان الكاتبة على وعي صارم دائم بالخير والشر لكن شخصياتها تبدو كأنها وجدت لانتهاك تلك القوانين دون ان نشهد في داخلها مرارة او ألما قبل اتخاذ الخيارات فكانت  تلك الخيارت.. خاصة عند البطل غسان.. ممرات اجبارية او “فيض” طبيعي لايتغير. ومن هنا فهو في شكل خاص شخصية “مسطحة” الى ابعد الحدود.


الا ان رواية “ايام في الجنة” للكاتبة الدكتورة غالية ف.ت. ال سعيد من سلطنة عمان وان كانت توصل القارئ احيانا الى شعور بان نهايتها كان يجب ان تتم قبل “مسافة” طويلة ولا تستمر الى نهاية صفحاتها التي بلغت 410 صفحات متوسطة القطع.. تظهر احيانا قدرة على خلق اجواء يختلط فيها السريالي بالكوميدي الغريب.


الرواية التي صدرت عن دار “رياض الريس للكتب والنشر” تبدأ في شكل جميل مميز بوصف عاصمة الضباب البريطانية “لندن.. الساعة الرابعة صباحا.. الليلة باردة ولكنها ليست ممطرة كعادة ليالي لندن الشتوية. الظلام يسري في كل مكان لا يبدده سوى الضوء الباهت الآتي من مصابيح الشوارع. لم تعد هناك حركة. كل ما يتحرك دخل في سبات عميق. المتاجر والمطاعم وحتى الباصات والقطارات هدأت في هذه الساعة المتأخرة من الليل وتوقفت عن حركتها المعتادة السريعة الدائبة واصبحت الشوارع مقفرة حتى غدت وكأنها اكبر واوسع من المعتاد. وغدت لندن مدينة اشباح.”


ويستمر هذا الوصف ناجحا احيانا كثيرة حتى حين يتناول الشخصيات من خلال تصرفها الخارجي اي الظاهر وعلاقتها بما حولها كسيرها في الشارع مثلا والعلاقة بينها وبين هذه البيئة الصغيرة.


من ذلك قول الكاتبة في ما يجمع بين جو هو مزيج من التشويق والرومانسية الخادعة “في بريد ستريت القريب من محطة القطار بحارة بادنجتون شبح وحيد يتمايل في الافق وسط الظلمة ذلك الشبح هو غسان المنتهي ملتفا بمعطفه الصوفي الاسود الطويل…”


هذا الرجل المليء بالويسكي خرج من الحانة “يسير وحيدا في صمت نحو شقته الصغيرة المنزوية في اعلى طابق من العمارة التي يسكنها. والشقة ليست ملكه بل اعطيت له من الاعانة الاجتماعية…”


   وعندما نصل الى داخل رأس الرجل ونفسه يبتعد الوصف عما اتسم به سابقا من التميز ويتحول الى سرد تقريري بارد الى حد ما عن ماضي الرجل وموطنه وحياته الحاضرة.


انه يعتبر شقته بل لندن نفسها مكانا يخفي اسراره على عكس موطنه الاصلي الذي لا مكان فيه لذلك. يقول عن نفسه فكأنه شخص اخر يصف شخصا عن بعد “في لندن اعيش حياة ذات وجهين وبمنتهى السهولة حتى انني اختلقت لنفسي هوية.. هوية اقف خلفها قائلا انني الرجل الوسيم صاحب المظهر الانيق… والشخصية الاخرى هي الحقيقة يكمن فيها الواقع المر.. واقع الفشل الذي اعيشه…”


ولا يعرف الناس ان اسمه الحقيقي هو “عصام الكبير صاحب الاخلاق الرهيبة والجيب الخاوي والشهادة المزيفة والشخصية المزدوجة.”


وهو شخصية نمطية كما انه من ناحية مثال للسيئين لا العاديين من الرجال الشرقيين “فهو لا يؤمن بالحب اطلاقا على الرغم من حبه للشعر. مع الجنس الاخر يؤمن بالاطاحة به وتدمير استقلاليته. برأيه يجب ان تكون المراة خاضعة مستسلمة…”


وهو لا يختار نساءه الا قبيحات وغبيات.. أكبر منه سنا في الغالب. تفسر آل سعيد ذلك بالقول انه “يدرك بفطنته ان اي امراة تتمتع بقدر ولو ضئيلا من الجمال او الذكاء لم تكن لتقبل به…”


تصرف هذا النموذج مع زوجته الاوروبية ذات الجنسية البريطانية والاكبر منه سنا والتي تعمل ليلا نهارا تصرف منفعة الى اقصى حد فهو يأخذ ربع مرتبها اسبوعيا لينفقه على ملذاته وعشيقاته وقد عودها على تقبلهن لأن لهما في ذلك منفعة مادية.


وهو لا يستطيع تحمل فقدان كلارا زوجته او هروبها وبذا يجد مبررا لمعاملتها بقسوة في علاقة تجمع المازوشستية الى السادية. وهو يرى “ضرورة اذلالها والسخرية منها حتى تبقى طوع امره.. لا مفر اخر لها في الدنيا…”


ويقيم علاقات عديدة ويقوم باعمال كذب واحتيال وتزوير ويسرق عشيقاته وهن من جنسيات مختلفة الى ان يكتشف انه خالف القانون اذا تزوج بأكثر من واحدة فيدخل السجن مع زوجته التي تسترت عليه.


   ومن ناحية اخرى ففي الرواية من صورة الشرقي في الغرب ما يبدو كأنه يقول “ما أشبه الليلة بالبارحة.” تتكرر هنا مشكلة بعض الشرقيين مع اللباس في الغرب فهم فيه غربيون اكثر من الغربيين.


تمر بنا مواقف تذكرنا بتجربة “محسن” بطل توفيق الحكيم في “عصفور من الشرق” حيث سخر صديقه اندريه منه ومن ثيابه الرسمية السوداء وقبعته ذات اللون نفسه واصطحبه الى مأتم شخص لا يعرفه محسن قائلا له انه يرتدي الزي المثالي لهذه المناسبة.وقد بدا محسن كأنه واحد من اهل الفقيد. هذا “جرى” في فرنسا حيث للازياء اهمية.


ومشكلة غسان في بريطانيا اشد من ذلك. تصفه الكاتبة قائلة “انتبه الى انه يرتدي حلة اشبه بحلة المساء منها بحلة الظهر اي ان مظهره سيصبح شاذا. ويعرف عن الانجليز مثلا انهم لا يتزينون بهذه الطريقة ولا يلبسون مثله سوى ايام العطل كيوم الاحد او عند ذهابهم الى الكنيسة او في المناسبات الرسمية او الافراح او العزاء…”


تضيف “وعند وصوله الى الشارع انتبه الى امر مهم فلا احد من المارة ينظر اليه رغم اناقته المبالغ فيها ففي بريطانيا الكل يهتم بنفسه فقط.”


وتمر بنا سلسلة اعمال غير منسجمة وغير منطقية يقوم بها غسان من احتيال وكذب تشكل تراكما غير ضروري للرواية التي اشبعت بقصص من هذا النوع. هناك بينه وبين زوجته وبينه وبين الاخريات اجواء غير منطقية وغير مقنعة. تحار فيها احيانا لكن يبدو ان آل سعيد توردها من قبيل خلق جو “سريالي” وهزلي مضحك في الوقت نفسه.


من ذلك قصة زواج غسان وكلارا واثنين من الشحادين جاء بهما شاهدين. وما جرى بينه وبين القس وتهديده القس بسكين ورد فعل الاخير والتهديد المتبادل.. كل ذلك يجعلنا نعيش قصة مضحكة كأننا في اجواء افلام العصابات وقصص الغرب الوحشية ورعاة البقر والسكارى وشريعة المسدس.


عندما يسأل القس اذا كان هناك من يعترض على الزواج يقول شحاذ هو احد الشاهدين انه يعترض وان على القس ان يزوجه هو من العروس. ويوافق العريس على ذلك ويحتد الجو بين الاثنين لكن القس الذي يفترض الا يزوج اثنين الا برضاهما يقول للعريس الرافض في جو من اجواء “اللامعقول” انه سيزوجه بها رغما عنه “سوف اعقد قرانك عليها ولو كنت خارج الكنيسة.”


وجرى الامر كذلك لكن بعد انتهاء مراسيم الزوج الاكراهي هرع الجميع الى خارج الكنيسة. ومن تحت المعطف الكبير الذي كان العريس يرتديه اخرج بطة حية ربط رجليها وعنقها بشريط احمر وقال للشحاذين “سأذبح هذه البطة كقربان زواجي لكلارا وساوزع عليكم لحمها.”


واخذ الشحاذان يرقصان ويغنيان باصوات عالية قائلين “انت بطلنا.. انت نلسون مانديلا.. انت نلسون الذي نصبوا له تمثالا في ترافلجار سكوير.”


   وفي تصوير للعقلية الانجليزية وللبوليس الانجليزي تقول الكاتبة ان رجلا وامرأته سمعا الضوضاء فنظرا من النافذة وصرخ الرجل بغسان يمنعه من ذبح البطة فرفض هذا منعه مما اسماه ممارسة تقاليد قومه.


ويأتي رجال الشرطة لمنع هذا العمل “البربري.” يقول غسان للشرطي “اذا لم اذبحها فخذها انت اذن.” قال الشرطي مادا يده “اعطني اياها اذن.” دفع بها غسان الى وجه الشرطي بدلا من ان يمدها الى يده فتراجع الشرطي الى الخلف فزعا… هربت البطة واخذت تقفز الى الشارع واخذ الشرطي يعدو خلفها خوف ان تصدمها سيارة وتتعقد الامور.


أخذ غسان وكلارا بدورهما يركضان في وجهة مخالفة بعيدا عن موقع الحادث حتى اختفيا عن الانظار وتوقفا امام موقف الباص واستقلا سيارة الى مأواهما.”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock