أفكار ومواقف

رواية النسيان.. النضال الفردي النبيل

“لقد صرنا النسيان الذي سوف نكون” بورخيس
يقدم الروائي الكولومبي اكتور أباد روايته “النسيان” على أنها انتقامه الوحيد من قتلة أبيه، هي رواية الابن عن أبيه، الأستاذ الجامعي اكتور أباد الذي أمضى حياته مناضلا على نحو فريد ومدهش لأجل العدالة الاجتماعية وتحسين حياة مواطنيه، وأدى ذلك إلى مقتله، برغم أنه لم يكن ينتمي إلى حزب سياسي ولم يكن جزءا من جماعة ما، ولم يحمل السلاح ضد أحد، ولم يكن عدوا لأحد، بل إنه في سلوكه الفكري والسياسي يبدو مزيجا معقدا ومدهشا من الأفكار والمواقف والاتجاهات، ليبراليا في السياسة، اشتراكيا في الاقتصاد، محافظا اجتماعيا، يعمل مع اليساريين والمحافظين والليبراليين والكنيسة لأجل الخدمة الاجتماعية للناس، وكان يحب أسرته يغدق عليها بالمحبة الغامرة، ويمنحها كل ما يملك من ماله ووقته وجهده، وفي سلوكه العام والاجتماعي مثل قديس، يمنح ماله لكل من يسأله من أسرته وأقاربه وطلاب الجامعة والمتسولين.
يتذكر اباد كيف نشأ في أسرته مع والده المحب للناس جميعا، والذي يسعى الى الارتقاء بأسرته في بيئة قاسية؛ يعتبر فيها الضرب والكراهية والتعصب أمرا عاديا بل محمودا، وكان يرافق أباه للعمل مع الكنيسة، وطبيب متطوع من الولايات المتحدة للعمل في الأحياء الفقيرة، لأجل تحسين حياتهم، التنظيم الاجتماعي، بناء خزانات مياه في القرى، دورات مياه صحية، التطعيم، الإسعافات الأولية، الحصول على مياه الشرب، الصحة العامة، لكنه أثار حقد الأطباء الذين كانوا يطمحون لبناء المستشفيات والعيادات الخاصة، في حين كان يرى الطب في تحسين الغذاء والنظافة ومقاومة الوباء، ووجد نفسه في مواجهة مع كثير من الزملاء والمسؤولين والكهنة، ثم وجد نفسه في مواجهة مع جماعات ومؤسسات النفوذ والمصالح من كل اتجاه، .. وقتل العام 1987 ثم واصلت ابنته الطبيبة سول التي كانت متدينة شديدة الإيمان كفاحها لأجل مياه شرب نظيفة والتطعيم والوقاية “وكأن التاريخ حلقة تعيد نفسها، وكأنه بلد أصم، يموت فيه الأطفال بسبب الإسهال ونقص الغذاء”
ظهرت في أوائل الستينيات قصص “عذراء فاطيما” وكانت تتداول على نطاق واسع بين الأسر وفي اللقاءات والمقاهي ومحلات مصففي الشعر والخياطين متفوقة على الإصلاح الزراعي والفقر والمياه، كانت قصص الأسرار الثلاثة التي كشفتها القديسة للرعاة الثلاثة الصغار موضعا للحديث والمواعظ وخاصة السر الثالث الذي استخدم للتنبؤ بحرب عالمية ثالثة وشيكة الوقوع بين الخير والشر، أي بين الولايات المتحدة وحلفائها والاتحاد السوفيتي وحلفائه. وانتشرت صلوات الابتهال ألا تنتصر روسيا رمز الشر! وكانت حملة الإيمان هذه تقودها عائلات أرستقراطية بيضاء، استخدمت الفكرة الدينية لقهر الناس والتضييق عليهم وفصلهم من أعمالهم ووظائفهم، وقد أقيل بسبب انتقاد المواكب التي كانت تجوب شوارع المدينة في الفجر تضرب الدفوف وترتل الابتهالات عدد من أساتذة الجامعات الذين انتقدوا هذا السلوك المتستر بالدين لأجل الهيمنة.
وفي صراع دموي طويل قتل فيه أكثر من أربعمائة ألف مواطن كولومبي، كان يكفي أن تتهم بالليبرالية لتقتل، وكان يقال على نطاق واسع “قتل الليبرالي إثم مغفور” اضطرت العائلة للرحيل من المدينة التي يغلب عليها العداء لليبراليين، وقتل فيها خمسة من زملاء أباد، وربما تكون أنقذته من المحنة أو أجلت مقتله فرصة عمل في الخارج مع منظمة الصحة العالمية، لكنه عاد ليواجه القتل وجها لوجه. لقد تعرض لاضطهاد المحافظين لأنه بنظرهم معاد للدين، ثم اضطهده اليساريون عندما حلوا مكان المحافظين لأنه برجوازي.
في ذلك الظلام والخوف تمنحنا الحياة الأخرى والروح الخالدة كما يقول أباد عزاء، وتكون اكثر جاذبية بسبب الشقاء الوجودي الذي يعاني منه الإنسان ووعينا المخيف والمضني بالموت، كما يخلق ذلك العزاء اتساقا وشعورا بالتآخي ويوثق الصلة بين الأشخاص المتباعدين على خلاف تلك الرؤية المخيبة للآمال حيث لا وجود للحياة الخارقة للمألوف. نحس نحن البشر بميل جارف نحو الغموض، وإنه لعناء يتكبده المرء يوميا لتحاشي الوقوع في ذلك الفخ وتلك الغواية المستمرة ببعد متيافيزيقي لا سبيل لإثباته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock