ترجمات

روبرت فيسك ألقى ضوءا على الانتهاكات الغربية في الشرق الأوسط

بيلين فرنانديز* – (ميدل إيست آي) 4/11/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مع عقود من الخبرة في تأريخ أهوال الحرب، لم يتردد روبرت فيسك في اعتبار القوى الغربية مسؤولة عن الخراب.

  • * *
    كان بمثابة “يوم الموتى” بالنسبة لي هنا في المكسيك عندما تلقيت نبأ وفاة روبرت فيسك، الذي قضى هو نفسه معظم حياته يكتب عن الموتى.
    توفي الصحفي والكاتب الحائز على العديد من الجوائز في 30 تشرين الأول (أكتوبر) في دبلن عن عمر ناهز 74 عامًا. وانضم فيسك، الذي كان يقيم في بيروت منذ العام 1976 -وهو العام الذي أعقب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عامًا- إلى صحيفة “الإندبندنت” في العام 1989 كمراسل للصحيفة البريطانية في المنطقة.
    وقد نعته العديد من المراثي باعتباره شخصية مشهوداً لها، وإنما “مثيرة للجدل”، حيث خصصت صحيفه “الغارديان” حقيقة أنه “كان معروفا بانتقاده للولايات المتحدة”.
    قول الحقيقة للسلطة
    في حين أن الوظيفة الظاهرية للصحافة هي قول الحقيقة للسلطة، فإن الصحفيين القلائل الذين يفعلون ذلك في الواقع يوصفون بأنهم إشكاليون. وقد نشأ الكثير من “الجدل” المحيط بفيسك بسبب جهوده لوضع هجمات 11 أيلول (سبتمبر) -بطبيعتها المروعة والإجرامية التي اعترَف بها تماماً- في السياق الضروري للمكائد الشريرة التي تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
    كما لم تقدِّر القوى القائمة إصرار فيسك على ربط النقاط بالعودة إلى ذلك الوقت في أفغانستان عندما كان أسامة بن لادن يقاتل، كما تعلمون، إلى جانبنا نحن الغربيين. وقد أدرك فيسك جيداً، وهو الذي أجرى مقابلات مع بن لادن في ثلاث مناسبات، أن التاريخ لم يكن مهماً على الإطلاق في الجهد الدعائي لتسويق “الحرب على الإرهاب”، بل إنه كان بدلاً من ذلك شيئًا ينبغي التستر عليه لصالح الخطاب الاختزالي الذي يُصوِّر جحافل من المسلمين العدوانيين الذين يكرهوننا بلا سبب.
    كما يكتب فيسك في مصنفه المهم، “الحرب العظمى من أجل الحضارة: غزو الشرق الأوسط”، فإن “الإرهاب” هي كلمة أصبحت وباءً على مفرداتنا، وشكلت العذر والتسويغ والترخيص الأخلاقي للعنف الذي ترعاه الدولة -عنفنا نحن- والتي تُستخدم الآن ضد الأبرياء في الشرق الأوسط بشكل لا يني يزداد فظاعة ولا-أخلاقية” بلا توقف.
    بطبيعة الحال، عنى قيام الغرب وتابعته، إسرائيل، باختطاف خطاب “الإرهاب” أن يكون استخدام هذا المصطلح غير مسموح به، على سبيل المثال عند وصف مذبحة العام 1982 التي راح ضحيتها آلاف الناس في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا في بيروت، على يد مليشيا الكتائب المسيحية اللبنانية.
    خلال محاضرة في مركز الثقافة المعاصرة في برشلونة في العام 2002، أشار فيسك إلى أن أي صحيفة غربية لم تُشر على الإطلاق إلى القتلة الجماعيين في صبرا وشاتيلا على أنهم إرهابيون، وتساءل ساخراً: “هل فشل (هذا الحدث) في اجتياز اختبار الإرهاب لأن القوات الإسرائيلية حاصرت المخيم في العام 1982 ولأن أرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الحين، أرسل الكتائب إلى المخيمات؟”.
    “الدم، والنار والمذبحة”
    كما هو الحال مع العديد من الأحداث الملطخة بالدماء في الجدول الزمني للشرق الأوسط المعاصر، كان فيسك شاهد عيان على فظائع صبرا وشاتيلا. وفي كتابه “ويلات أمة: لبنان في حرب”، يروي أنه وجد نفسه ذات مرة وهو يطأ، من دون قصد، كومة من الجثث: “لقد تبين أن الحجر الكبير كان معدة. واستطعت رؤية رأس رجل، وثدي امرأة عارٍ، وقدميّ طفل”.
    وكان أيضاً في مكان الحدث بعد المذبحة الإسرائيلية في العام 1996، التي راح ضحيتها 106 أشخاص كانوا يحتمون في مجمع للأمم المتحدة في قانا، لبنان، بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز. وهكذا، بدأ نعي فيسك لبيرس في العام 2016 على هذا النحو: “عندما سمع العالم أن شيمون بيريز مات، صرخ ‘صانع السلام’! ولكن عندما سمعتُ أن بيريز مات، فكرت في الدم، والنار والمذبحة”.
    تضمنت ذكرياته عن قانا “أرجلاً وأذرعاً، أطفالاً بلا رؤوس، ورؤوس شيوخ بلا أجساد”، إضافة إلى فتاة جلست وهي تحتضن جثة شائبة الشعر وتصرخ باكية: “أبي، أبي”.
    وينطبق الشيء نفسه على تقارير فيسك عن الفظائع الإسرائيلية في فلسطين. في مقال نُشر في كانون الثاني (يناير) 2009 حول المذابح التي نفذتها إسرائيل في قطاع غزة، وصف فيسك بإسهاب “المتواطئين الغربيين في الوحشية” الذين قاموا بإدماج إسرائيل في “حربنا على ‘الإرهاب الدولي’”. وكانت القطعة بعنوان “لماذا يكرهون الغرب كثيرًا، سوف نسأل” -ولكن، كالعادة، كان فيسك من بين القلائل الراغبين في توفير السياق للإجابة عن هذا السؤال.
    لغة السلطة
    في العام 2010، أشار فيسك إلى أن الصحفيين يصبحون أكثر فأكثر “أسرى للغة السلطة”، يرددون بطريقة آلية كالببغاوات مفردات الطبقة الحاكمة، والناشئة عن دوافع سياسية (لا تفكر فقط في “الإرهابيين”، ولكن أيضًا في “عملية السلام”، “خريطة الطريق”، “زيادة عديد القوات” و”القلوب والعقول”). ولاحظ فيسك: “ليست هناك معركة بين السلطة والإعلام. من خلال اللغة، أصبحنا نحن هُم”.
    ومع ذلك، حاول فيسك إلى حد كبير الإفلات من هذا الاندغام مع السلطة. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، أعرب مرة أخرى عن غضبه الأخلاقي من “الكارثة الجهنمية المروعة التي ألحقناها بالعراق”، والتي بسببها “يُلحق الموت الآن بالعراقيين أكثر مما كان صدام قادرًا على إلحاقه بالشيعة والأكراد و-نعم، في الفلوجة من بين كل الأماكن- بسُنّييه أيضاً”.
    ومضى إلى مراجعة التفاصيل ذات الصلة من العقود الماضية من التواطؤ الأميركي والبريطاني مع وحشية صدام، بعيدًا عن نسخة التاريخ التي أجازها أولئك الذين روجوا لذريعة “الغزو الديمقراطي” في العام 2003.
    بينما قد يبدو أن تاريخ فيسك الشخصي الكثيف من رؤية أجساد البشر ممزقة إرباً -من لبنان إلى فلسطين إلى الجزائر والعراق والبوسنة وما وراءها- كان يمكن أن يجعله منيعاً أمام الشعور بالمعاناة بسبب الاعتياد أو يجعله أقل إنسانية هو نفسه، فإن شعوره بالغضب الأخلاقي ظل حاضراً. وكذلك فعل التزامه بربط النقاط بين الهجمات الإمبريالية، كما فعل في مقالته في العام 2001 التي بدأت: “في بغداد كان لدينا مخبأ حيث قتل صاروخنا أكثر من 300 شخص حتى الموت. وفي كوسوفو كان لدينا طابور من اللاجئين مزقته قنابلنا إرباً. والآن في أفغانستان، ثمة قرية تسمى كارام هي آخر مذابحنا”.
    نسمة من الهواء النقي
    قابلت فيسك في العام 2008 في بيروت، بعد الحرب الأهلية المصغرة في لبنان في أيار (مايو) من ذلك العام، وتلقيت وجبات غداء عديدة كضيافة من ميزانية وجباته في “الإندبندنت”. وزرته أيضًا في منزله في كورنيش بيروت، حيث جلسنا على شرفته مع بعض النبيذ الرخيص -من باب المجاملة لي ولميزانيتي- وأطلعني بفخر على منظار عسكري قديم يجعله في مزاج طفل في عيد الميلاد. ثم تحدث مطولاً عن الإبادة الجماعية للأرمن، بينما كانت دموعه تسيل.
    مثل أي إنسان وصحفي، كانت لدى فيسك مراوغاته وتناقضاته وتعقيداته. لم يكن محصنًا من لحظات “المستشرِق”، أو من التبني المتقطع للغة المؤسسة الغربية. وفي سنوات لاحقة، اتُّهم مرارًا وتكرارًا بالانخراط في الدفاع عن الحكومة السورية.
    ولكن، بشكل عام، كان فيسك صحفيًا متحمساً لا يعرف الكلل، والذي كان من الواضح أنه يسير -باعتباره شخصية “مثيرة للجدل” منتقدة للولايات المتحدة- على الطريق الصحيح. وفي حين أن موضوع تحقيقاته الصحفية كان في كثير من الأحيان محبطًا إلى حد مرعب، فإنه أرسل مع ذلك نسمة من الهواء النقي في مهنة مكرسة غالبًا لخنق الحقيقة.
    في مقال نشر في العام 2014، كتب فيسك: “الرجال يموتون… التاريخ يستمر إلى الأبد”. وعلى الرغم من أن فيسك قد يكون قد رحل، فإن مساهماته في تصحيح السجل التاريخي سوف تبقى.

*Belen Fernandez: مؤلفة كتب “المنفى: رفض أميركا والعثور على العالم” و”الرسول الإمبريالي: توماس فريدمان في العمل”. وهي محررة مساهمة في مجلة “جاكوبين”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Robert Fisk: Shining a light on western abuses in the Middle East

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock