أفكار ومواقف

روزا باركس .. من أجل مقعد في الباص..!

صادف الأول من هذا الشهر مرور الذكرى 64 لقرار الأميركية روزا باركس رفض التخلي عن مقعدها في حافلة مونتغمري-ألاباما في الولايات المتحدة. وقد تحدت باركس، سوداء البشرة، قانون منتغمري الذي كان يمنح أولوية الجلوس في الحافلات للبيض. ولم تكن باركس تعاني من متاعب جسدية وكانت تستطيع الوقوف والتخلي عن مقعدها للراكب الأبيض، لكنها رفضت مبدأ ترك المقعد بسبب عرقها، ولذلك تم اعتقالها في 1 كانون الأول (ديسمبر) 1955 وسُجنت لفترة وجيزة ودفعت غرامة. وكان عملها الشجاع في ذلك اليوم تاريخياً في حركة الأميركيين السود من أجل حقوقهم المدنية.
في ذلك الوقت، كان الأميركيون البيض الفوقيون يجدون في أنفسهم قناعة تشبه الإيمان بأن السود أقل من بشر، وبأن قمعهم وتعذيبهم أشياء مشروعة –بل ومحببة. وسوف يرى الذي يشاهد الفيلم عن زعيم حركة السود مارتن لوثر كينغ كيف كانت عائلات البيض، من كل الأعمار، تأتي لتتفرج على ضرب المشاركين في مسيرات السود بالهراوات والسياط، وكأنها تحضر مهرجاناً ترفيهياً. وكان لا بد للسُّود من تحمل تبعات النضال لأن حياة الذل التي عاشوها لم تكن خياراً. وكان أحد أشكال احتجاجهم السلمي، بالإضافة إلى المسيرات، هو مقاطعة الحافلات التي تجسد التمييز في أفظع صورِه. وقاطعوها لأكثر من سنة. ولأنهم كانوا يشكلون 75 من زبائن الحافلات في مونتغمري، أدت مقاطعتهم إلى تدمير إيرادات خطوط الحافلات.
في الوقت نفسه، كانت المعركة ضد الفصل العنصري تشق طريقها إلى المحكمة العليا. وفي 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1956، قضت المحكمة العليا الأميركية بالمصادقة على حكم محكمة محلية بأن الفصل في الحافلات العاملة داخل حدود ألاباما غير قانوني، لأنه يحرم الناس من الحماية المتساوية التي نص عليها التعديل الرابع عشر في الدستور الأميركي. وكانت تلك خطوة أخرى في طريق نضال السود الطويل لتحصيل كافة حقوقهم المدنية، بما فيها حق التصويت.
كان نضال روزا باركس جزءاً من نضال الإنسانية الطويل من أجل “مقعد في الباص”. إنك تستطيع الآن أن تجلس في الحافلة –حرفياً- وتكون حُرّاً في التخلي عن مقعدك لراكب آخر أو الاحتفاظ به. لكنك قد تشعر مع ذلك بأن “مقعدك” في حافلة الحياة الكبيرة يُؤخذ منك. سوف يأخذونه منك إذا حرموك من فرصتك ليأخذها شخص آخر على أساس المحسوبية. وسوف يأخذونه منك إذا شعرت بأنك مواطن من الدرجة الثانية، حيث يعامَل غيرك بطريقة تختلف عنك، ويُعطى له ما لا يُعطى لك، على أساس عرقك أو أصلك أو لونك أو معتقدك وفكرك، في وطنك نفسه.
الآن، عندما ينظر المرء إلى الناس الخارجين للاحتجاج في شوارع المدن والبلدات العربية، ويستمع إلى شكاواهم ومظالمهم، سيتذكر مشاعر السود أميركا النصف الأول من القرن الماضي. ثمة طبقات تعاملهم بفوقية وتستأثر بالامتيازات. وثمة قوات تضربهم إذا طالبوا بالمساواة بالسياط والهراوات. وثمة حافلات وقطارات تمر بهم وتتركهم مقطوعين في محطات الحياة بلا فرصة للوصول. وإذا كان البيض الأميركون في ذلك الوقت يجدون في أنفسهم صدى لإرث العبودية الذي جعل قبول مساواة السود بالأسياد صعباً، فإن “بيض” العرب –وغيرهم من نخب السلطة في كل مكان- يترفعون عن مواطنيهم ذوي نفس التاريخ والعرق واللون والأصالة والأحقية في الأوطان.
ما يفعله ملايين العرب الذين يحتجون في الساحات الآن هو أنهم يرفضون التخلي عن مقاعدهم في الحافلات العربية، حيث يصر قلة على الاستئثار بالحافلة كلها لهم بلا رُكاب آخرين –قاعدين أو واقفين. ولعلهم لا يريدون الاعتراف بأن الحافلات بلا رُكاب لن تكون في النهاية سوى مشروع خاسر قليل العوائد. وهذا بالضبط هو حال المشاريع العربية التي لا تفترق كثيراً عن الدول الفاشلة، حيث الناس بلا كرامة ولا رفاه.
بالعودة إلى روزا باركس. عندما توفيت في العام 2005 عن عمر ناهز 92 عاماً، وشهدت في حياتها نتائج انتصار قضيتها، صوت الكونغرس على تكريمها بوضع تابوتها في مبنى الكابيتول ليودعها الجمهور. وفي ذلك الوقت، كان الشخص رقم 30 الذي يُمنح هذا الشرف، والمرأة الأولى التي تناله. وقد وُضع نعشها على نفس المنصة التي كانت قد بُنيت أصلاً لنعش أبراهام لينكولِن.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock