أفكار ومواقف

روسيا تنحى للغة الدبلوماسية

د.محمد حسين المومني

قناعة روسيا انه لم يكن امامها خيار آخر غير غزو اوكرانيا لمواجهة محاولات انضمامها لحلف الناتو، هذا تقدير غير صحيح. قرار الغزو كان مدفوعا بعقلية الحرب الباردة التي خسرها الاتحاد السوفيتي ووريثته روسيا.

خيارات عديدة كانت سانحة وخيار الغزو اكثرها تكلفة. حتى لو كان الاجتياح لأوكرانيا احد البدائل الاساسية امام صانع القرار الروسي، كان يجب ان يعلن ذلك بوضوح وكثافة قبل الغزو في محاولة لثني اوكرانيا عن قراراتها بالانضمام للناتو.

ادوات روسيا السياسية الدبلوماسية والاعلامية كانت غير فاعلة، ففاجأت العالم بالاجتياح، الذي رد بعقوبات قاسية تجاوزت ما فرض على ايران او كوريا الشمالية.

بدأت روسيا بتلمس تكلفة قرارها جراء العقوبات الاقتصادية. اعتقدت للحظة انها ستتمكن من احداث شرخ في النظام العالمي، وانها ستتغلب على العقوبات بتحالفات مع الهند والصين والبرازيل والمكسيك وغيرها من الدول التي لن تنصاع للقرارات العالمية من عقوبات على روسيا.

لا يدرك صانع القرار الروسي ان حتى هذه الدول وبحسبة بسيطة لن تنحاز لروسيا وتخسر الكثير اقتصاديا. الصين اللاعب الاهم لا ينحاز لروسيا ويحافظ على حياد سياسي واقتصادي. تنسق الصين بحكمة مع الولايات المتحدة واوروبا بما يطوق الازمة ويحد من آثارها ولكن لا تنجر خلف قرار روسي مكلف.

تكثف روسيا اللغة الدبلوماسية، ويظهر مفاوضوها مرونة اكبر في اشتباكهم مع الاوكرانيين، ويبدو ان الطرفين يسعيان للخروج من المأزق والنزول عن الشجرة.

تتحدث روسيا عن ان العقوبات تتجاوز تلك المفروضة على ايران وكوريا الشمالية للقول ان ثمة مبالغة بردة فعل الغرب، وتقول ان الدعم العسكري النوعي لأوكرانيا اهداف مشروعة لها ولا تقول انه مشاركة بالحرب مع انه كذلك، وهي تدرك ان هذا الدعم قادر على تكبيدها خسائر عسكرية مهمة وكبيرة خاصة مع موافقة اميركا ارسال طائرات مسيرة فتاكة واسلحة دفاع جوي نوعية (لم تقبل ارسالها للعارضة السورية خاصة صواريخ ستينغر التي كانت ستقلب الحرب الاهلية السورية رأسا على عقب).

تتجاوز روسيا عن اوصاف بايدن لبوتين معتبرة ان ذلك يرقى للاهانة الشخصية، وهي بذلك لا تريد التصعيد وتسعى للنزول عن الشجرة.

حتى لو انسحبت روسيا من اوكرانيا فإن العقوبات لن ترفع فورا، وتلك قصة ستؤلم الاقتصاد الروسي وتؤخر روسيا تكنولوجيا. ارتكبت روسيا خطأ فادحا بدأت بالندم عليه، والارجح ان لذلك تكلفة سيدفعها الرئيس الروسي من رصيده.

تتبخر نشوة الانتصار العسكري الاولي وتبدأ الاثمان بالتوضح. لم تقدر روسيا ثقلها بالنظام العالمي بدقة، قاست قوتها بالمعيار العسكري الذي هو ليس الاهم الآن في مقياس قوة الدول وإلا لكانت اليابان والمانيا من الدول الضعيفة، ولكانت روسيا اقوى من الصين وهذا غير صحيح.

قوة الدول الاقتصادية والتكنولوجية واستهلاكها للطاقة الذي يؤشر على درجة الرفاه وتقدم الصناعة هي معايير قياس قوة الدول الاهم والادق. ستحتاج روسيا لسنوات طويلة لإعادة الثقة بها من قبل الفاعلين الدوليين، وفي اثناء ذلك ستتكبد خسائر، وسيغدو بقاء او رحيل الرئيس الروسي مفصليا لجهة مساعدة روسيا وعودة اشتباك العالم معها ورفع العقوبات.

المقال السابق للكاتب 

أوكرانيا وقواعد العمل الدولي

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock