أفكار ومواقف

روسيا و”الإرهابيون” السوريون

صار واضحاً تماماً ربط روسيا إدخال المساعدات الإنسانية إلى حلب وغيرها من البلدات والقرى السورية المحاصرة من قبل مليشيات إيران وبشار الأسد، بتحقق الفصل الميداني بين التنظيمات الإرهابية وفصائل المعارضة السورية المسلحة. وقد يبدو هذا تطوراً مذهلاً في موقف موسكو، وهي التي برهنت بالدليل القاطع–كما كل مؤيدي الأسد- ومنذ اليوم الأول للثورة السورية، أن الإرهابيين لديها يشملون أي معارض للأسد؛ سواء كانت معارضة سلمية أم مسلحة، من قبل إسلاميين أم علمانيين، وحتى علويين يساريين شيوعيين، بما يبرر حتماً قتلهم أو تغييبهم في السجون، كما هو مصير د. عبدالعزيز الخير مثلاً، ضمن مئات آلاف السوريين الآخرين.
ومن ثم، سيكون السؤال الأول: من هي التنظيمات الإرهابية التي تريد موسكو من المعارضة السورية المسلحة الانفكاك عنها ميدانياً؟ هل هي فقط “جبهة فتح الشام” المتفق على تصنيفها دولياً منظمة إرهابية تحت مسماها السابق “جبهة النصرة”؟ أم هي التنظيمات التي قررت روسيا منفردة تصنيفها إرهابية، لاسيما “أحرار الشام” و”جيش الإسلام”؟
طبعاً، السؤال السابق هو بمثابة حشو وتزيّد لا فائدة منه. فموسكو، خصوصاً بعد تدخلها العسكري المباشر في سورية قبل عام، لم تغير موقفها أبداً من كل معارضي الأسد. وتماماً كما ترى إسرائيل أن الفلسطيني الجيد هو فقط الفلسطيني الميت، فكذلك ترى روسيا المعارض السوري المعتدل؛ سواء كان ميتاً جسدياً أو معنوياً.
هكذا، يكون بدهيا أن المطلب الروسي بالفصل الميداني بين “المعارضة المعتدلة” و”التنظيمات الإرهابية”، مقابل “الغذاء والدواء”، ليس إلا مطلباً لتقسيم العملية ذاتها التي دعمتها موسكو منذ العام 2011، ثم تولت زمامها مباشرة منذ العام 2015، أي تصفية كل معارضي الأسد وإيران. بحيث يتم البدء، بغطاء دولي، باستهداف “فتح الشام”، ليتم الالتفات سريعاً بعد ذلك إلى كل الفصائل الأخرى، وحتى المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة المليشيات الإيرانية. كما أن المتوقع تماماً في حال افتراض تحقق قبول الفصائل بهذا المطلب حدوث اقتتال داخلي بين هذه الفصائل و”فتح الشام”، لغاية تأمين هذه الأخيرة نفسها ومواقعها.
لكن للأسباب السابقة، فقد يؤدي المطلب الروسي –الذي لا تعارضه الولايات المتحدة أبداً- إلى تدعيم نفوذ وحضور “جبهة فتح الشام”، باحتوائها كثيراً من الفصائل المعارضة، وليس العكس. إذ مع تعزز الانطباع والاعتقاد بتواطؤ أميركي مع روسيا على الإجهاز على هذه الفصائل، آجلاً إن لم يكن عاجلاً، لأجل إبقاء الأسد الذي أفنى مئات آلاف السوريين خلال السنوات القليلة الماضية فقط، ناهيك عما سبقها في عهد الأسد الأب، ستكون سورية قد عادت إلى المربع الأول عند انطلاق الثورة، يوم أن قدم الأسد للمحتجين السلميين خيار الموت مباشرة أو الموت تحت التعذيب.
طبعاً، سيبدو خبراً سعيداً لداعمي الأسد؛ دولاً وشبيحة، هيمنة “فتح الشام” أكثر على المشهد في سورية، باعتبار أن ذلك يخدم بقاء بشار الأسد بمسمى “رئيس جمهورية” وليس أكثر. إذ هم يعرفون أن “كل معارضي الأسد إرهابيون” كانت روايتهم منذ اليوم الأول للثورة، فماذا كانت النتيجة؟ كما أن التأكيد الأميركي “الصادق” أول من أمس، بأن التحالف الدولي ما كان ليقصف متعمداً قوات الأسد في دير الزور، ليس إلا دليلاً جديداً على الموقف الأميركي الراسخ تجاه نظام الأسد، بخلاف ما يدعي أنصار “نظرية المؤامرة الكونية”، لاسيما أن هؤلاء مؤيدون حتماً للتنسيق الروسي-الإسرائيلي بشأن سورية!

تعليق واحد

  1. "حرب المصالح القذرة"
    استاذ منار القارئ في غور مجريات الحرب الدائرة وما يتخللها من اتفاقيات واجتمعات وتصنيفات وتقلبات لا قاعدة ثابته يقاس عليها وهذا ديدن سياسة المصالح التي فجّرت الحرب التي تحرق المنطقة وان تساوت أضلاع مثلثاتها لا يعقل مطابقتها طالما قاعدتها غير مستقرّة؟؟؟ ولا ابالغ حتى في الدعاء مساء لفلان بصدقه تصبح تدعوا عليه بكذبه ؟؟ كل ما يجري من مشاهد واحداثيات الغاية منه التوازنات وخلط الأوراق ما بين القوى المتصارعة من أجل زيادة العديد واللهيب؟؟؟ حيث المسرحية لم تنتهي فصولها بعد "فتحت الستارة في افغانستان وقفزت بالمشهد الأول للعراق الشقيق وتتابع مشاهدها لتأخذ المنطقة العربية برمتها مرورا بتركيا وايران وروسيا وأطاريفها وتنتهي في افغانستان التي من قبلها باكستان ؟؟ لتشابه النسيج المجتمعي ونسيج ثوب الحرب القذرة الذي تم غزله من خيوط المذهبية والعرقية ؟؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock