ترجمات

روسيا وتركيا في ناغورنو كاراباخ: وصفة لعدم الاستقرار

آنا بورشفسكايا* – (معهد الشرق الأوسط) 31/10/2020

استمرت المعارك الدامية بين القوات الأرمنية والأذربيجانية بلا هوادة منذ أكثر من شهر بسبب النزاع على منطقة ناغورنو كاراباخ. ولم يكن ما يسمّى بـ”الصراع المجمّد” عند الحدود الروسية يوماً مجمّداً حقاً، بل ظلّت مواطن الشكوى من كلا الجانبين بلا معالَجة وظلت الجراح تتقرّح لقرابة ثلاثة عقودٍ تخلّلتها مناوشاتٌ أصغر بصورة دورية. لكن القتال هذه المرة تطوّر ليصبح أكبر اشتباكات دموية يشهدها الصراع بين الطرفين، إلى درجة أنه امتد إلى إيران المجاورة. وكان للدعم الذي قدّمه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لأذربيجان دورٌ حاسم في رفع السقف وقلب الموازين لصالح أذربيجان. ويثير التدخل التركي تساؤلات حول دور موسكو وتوقعاتها، والعلاقة الأوسع بين روسيا وتركيا.
أولاً، من المفيد أن نفهم سبب أهمية النزاع على كاراباخ بالنسبة لموسكو. إضافة إلى الحفاظ على ما تعتبره موسكو نفوذها “المتميز” على مدار ما بعد الاتحاد السوفياتي، والذي يبقي هذه الساحة غير مستقرة ويمنع الدول من الانضمام إلى الغرب، تشكل كاراباخ ورقة مساومة مع الغرب في إطار مسعى موسكو الأوسع نطاقاً إلى معادلة الربح والخسارة بممارسة النفوذ على تلك المنطقة. وقد ألمح وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، إلى هذه النقطة، على سبيل المثال، في أيلول (سبتمبر) 2017، حيث قال إنه لو أن الغرب وافق على إطار العمل الأمني الذي اقترحته موسكو في أوروبا، “لكانت العديد من النزاعات المتبقية في أوروبا قد تمت تسويتها منذ فترة طويلة… ولما كانت الأزمة الأوكرانية لتحدث على الإطلاق”. وكان يشير إلى اقتراح موسكو في حزيران (يونيو) 2008 بشأن اتفاقية أمنية أوروبية جديدة من شأنها، وفقاً للخبراء في ذلك الوقت، أن تضعف “حلف شمال الأطلسي” (الناتو) و”منظمة الأمن والتعاون في أوروبا”. ولإعطاء مثال آخر، قال مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سيرغي جلازييف، في أواخر العام 2017: “إذا كنا نريد السلام في القوقاز، فنحن بحاجة إلى دمج القوقاز بأكمله في الاتحاد الأوراسي”.
ومن المؤكد، كما أشار محللون آخرون، من بين جميع النزاعات المجمّدة في الساحة ما بعد الاتحاد السوفياتي، غالباً ما ينحصر النفوذ الروسي بجنوب القوقاز حيث تتمتع الجهات المحلية بقدرة أكبر على التحرك، إلا أن هذا الأمر يعد إلى حدٍّ ما بعيداً عن الموضوع المطروح. فبإمكان موسكو، بخلاف تركيا، التحدث إلى جميع الأطراف الموجودة هنا. ومن المؤكد أن علاقة روسيا بأرمينيا كانت دائماً أعمق من علاقتها بأذربيجان. كما أن أرمينيا بقيت منعزلة ومعتمدة بدرجة كبيرة على روسيا لضمان أمنها (وبدرجة أقل على علاقة جيدة بشكل عام مع إيران).
ومع ذلك، عمدت موسكو على مر السنين إلى تزويد كل من أرمينيا وأذربيجان بالأسلحة. وتُعد روسيا أيضاً الشريك التجاري الأكبر لأذربيجان في “رابطة الدول المستقلة” وبحر قزوين، وثالث أكبر شريك تجاري عالمي بعد إيطاليا وتركيا. ومع أن المسؤولين الروس لن يقرّوا بذلك، إلا أن أذربيجان، بمواردها الهائلة من الطاقة وسياستها الخارجية الأكثر تنوعاً، تشكّل جائزةً أكبر بالنسبة لموسكو. وإضافة إلى ذلك، فإن الثورة المخملية السلمية لمكافحة الفساد التي حدثت في العام 2018 في أرمينيا شكلت مفاجأة غير سارة لروسيا، فتقرّبت في أعقابها مباشرةً من أذربيجان، حتى مع احتفاظها بعلاقات وطيدة مع أرمينيا. وحالياً، قد يكون التأخير في رد الفعل الروسي ناتجاً جزئياً عن الرغبة في معاقبة رئيس الوزراء الأرميني الحالي نيكول باشينيان الذي قاد الثورة المخملية.
من الموحي إذن أن يكون بوتين قد حرص خلال الأزمة الراهنة على التشديد على علاقات روسيا الجيدة مع كلا الجانبين. ففي مقابلة بثّتها قناة تلفزيونية ممولة من روسيا في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وصف بوتين الوضع في منطقة النزاع بأنه مأساة، وأشار إلى أن مليونَي أذربيجاني وأكثر من مليونَي أرميني يعيشون في روسيا، وتربط بينهم في غالب الأحيان علاقات صداقة وروابط عائلية. وخلال منتدى فالداي السنوي في 22 تشرين الأول (أكتوبر)، رداً على سلسلة من الأسئلة من الصحفي البارز المؤيد للكرملين، فيودور لوكيانوف، قال بوتين: “دعونا نبدأ من البداية، مع ناغورنو كاراباخ ومن ندعم في الصراع. قلتم إن لروسيا علاقات خاصة مع أرمينيا. ولكن كانت لدينا دائماً علاقات خاصة مع أذربيجان”.
لكن المشكلة الكبرى هي أن التصعيد الدموي الحالي يشكّل على الأرجح مفاجأةً أخرى غير مرحَّب بها لموسكو، التي تريد احتدام الصراع على نار هادئة وعدم غليانه. كما أن تدخّل تركيا يعقّد موقف موسكو أكثر من أي شيء آخر. وخلال التصعيد الكبير الأخير بين أرمينيا وأذربيجان في نيسان (أبريل) 2016، لعبت موسكو دوراً أكثر حسماً. وعلى خلفية عدم الاهتمام الأميركي، أخذت موسكو زمام المبادرة في محادثات السلام وتوسطت في وقف إطلاق النار، بينما تمكنت إيران، لأول مرة، من إدراج نفسها في المثلث الدبلوماسي مع روسيا وأذربيجان.
وهذه المرة، توسّطت موسكو في إبرام اتفاقَين لوقف إطلاق النار، وفشل كلاهما. والأمر المعبّر في هذا السياق هو أن موسكو أشارت إلى عدم اهتمامها بتدخّل الجيش الروسي -بشكل علني على الأقل- لمساعدة أرمينيا. وتجدر الإشارة إلى أن أرمينيا عضو في “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، وهي تحالف عسكري مع روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى. ووفقاً للسكرتير الصحفي لبوتين، دميتري بيسكوف، فإن قواعد “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” تُلزم روسيا بالتدخل عسكرياً إذا وصل القتال إلى الأراضي الأرمينية، ولكن ليس إلى ناغورنو كاراباخ. وبالتالي تتشبث موسكو رسمياً بتفصيل تقني -علماً بأنه لم يكن لدى موسكو أي هواجس بشأن التورط في صراعات أخرى عندما تناسب مصالحها. وعلى الأرجح، لا يرغب بوتين ببساطة في صدام مع تركيا.
لكن هذا لا يعني أن موسكو غير نشطة. والمسار الأسهل والأرخص أمامها هو الضغط على تركيا في مسارح أخرى. وفي ظل هذه الخلفية، لا ينبغي الاستغراب من انتهاك موسكو لاتفاق آخر لوقف إطلاق النار في سورية؛ حيث تسببت الغارات الجوية الروسية بمقتل عشرات المقاتلين المدعومين من تركيا في إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، على الحدود التركية. وعلى الصعيد المحلي، تتعرض تركيا بشكل خاص لتدفقات اللاجئين من سورية، وهذه نقطة تصبّ لصالح بوتين الذي يحمل عمومًا بين يديه أوراقًا أكثر من أردوغان.
وفي المقابل، فإن أردوغان غير مهتم أيضاً بخوض صراع مباشر مع روسيا. وفي الواقع، في ظل القتال الدائر في جنوب القوقاز، لم يكن أمامه خيار سوى المضي قدمًا في اختبار منظومة “أس-400” الروسية الصنع، وهي عملية شراء سابقة وضعت تركيا في خلاف كبير مع الأعضاء الآخرين في حلف “الناتو”. وبالتالي، فإن إحدى تبعات الصراع الدائر على ناغورنو كاراباخ هي أن المنافسة الروسية التركية مهيّأة للتصعيد على مسارح أخرى، بما في ذلك ليس في سورية فقط، ولكن أيضاً في ليبيا، من خلال الحرب بالوكالة. ومن المرجح أن دعم تركيا الحالي لأذربيجان يساعد أردوغان على تسجيل بعض النقاط محلياً وتحقيق درجة من المصداقية الإقليمية من خلال نشر القوة الصلبة على الأرض لمساعدة حليفٍ له ووضع روسيا في موقف أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق. كما أنه يُظهر روسيا إلى حدٍّ ما صورة روسيا في المنطقة باعتبارها الدولة التي تساعد أصدقاءها في الأيام الجيدة فحسب، على الرغم من أن موسكو لم تغب قط عن هذا المسرح. وفي الآونة الأخيرة، تشير تقارير غير مؤكدة إلى أن موسكو أقامت موقعاً عسكرياً صغيراً على الحدود الأرمينية لمساعدة البلد.
المشكلة هي أن جميع القوى الكبرى، وليس روسيا وحدها، مشتتة الانتباه في الوقت الحاضر. وليس اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه روسيا هو الوحيد الذي فشل. وثمة مشكلة أكبر هي أن الآلية الدبلوماسية الحالية الوحيدة لحل نزاع كاراباخ، وهي “مجموعة مينسك” التابعة لـ”منظمة الأمن والتعاون في أوروبا”، التي تشارك في رئاستها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، قد عفا عليها الزمن. وقد تولّت روسيا لسنواتٍ قيادة هذه العملية، لكن موسكو لا تريد حلاً حقيقياً للنزاع. ففي النهج القائم على لعبة محصلتها صفر والذي تتبعه موسكو في المجال الدبلوماسي، وبحكم تعريفه، تُعد أي زيادة في النفوذ الروسي خسارةً للنفوض الأميركي.
إذا استولت أذربيجان في الأيام المقبلة على أراضٍ استراتيجية، مثل ممرات النقل، فسوف يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في ميزان القوى فيما يتعلق بالمفاوضات المستقبلية بين الجانبين. ولكن، لا تنطوي أي من موسكو أو أنقرة على اهتمام بسلام حقيقي. بل إنهما تستخدمان المنطقة لتحقيق مآربهما الخاصة، وفي نهاية المطاف ستبقى موسكو اللاعب الوحيد الذي يمكنه التحدث إلى جميع الأطراف. وفي الآونة الأخيرة، قال أردوغان إنّ بوسعه، بالشراكة مع بوتين، معالجة المشكلة الحالية. ولكن في الواقع، مهما كانت نتيجة الأعمال العدائية الحالية، سوف يستمر هذان الزعيمان في دفع أرمينيا وأذربيجان بعيداً عن الغرب -وهذه وصفة لعدم الاستقرار على المدى الطويل- بينما ستستمر المنافسة بين تركيا وروسيا في الظهور خارج جنوب القوقاز.

*زميلة رفيعة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock