ترجمات

رومانسية الأسد الكيميائية

ليونارد سبكتر — (فورين بوليسي) 23/8/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ألقت القلاقل المستمرة في سورية سوية مع دعوة الرئيس باراك أوباما للرئيس بشار الأسد للتنحي بمستقبل البلد في أتون الصهر والتقلب. ومن بين حالات عدم اليقين الأكثر إزعاجاً، يقع مصير الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية التي، إن لم تتم حمايتها وصيانتها، فإن من الممكن أن تؤول إلى الأيادي الخطأ مع احتمال إحداث نتائج كارثية.
وسورية هي واحدة من حفنة من الدول التي تعتقد الولايات المتحدة بأنها تمتلك مخزونات ضخمة من العناصر الكيميائية في شكل عسكري -أي جاهزة للاستخدام في قذائف وقنابل مدفعية. ويعتقد بأن الترسانة الكيميائية السورية ضخمة، وتشتمل على ذخائر والعديد من أطنان العناصر الكيميائية التي تتفاوت، وفق التقارير السنوية المرفوعة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي أي أيه) للكونغرس، بين الغازات المنفطة (التي تستخدم في الحروب الكيماوية، والتي تحرق أنسجة الجسم أو تحدث فيها بثوراً طبقاً لقاموس المورد) والعائدة إلى الحرب العالمية الأولى —مثل غاز الخردل— وبين غازات الأعصاب المتطورة، مثل السارين، وربما عناصر الأعصاب الملازمة مثل غاز “في أكس”.
وما تزال هذه الأسلحة تشكل رادعاً، مثل الشوكة في حلق القدرة النووية الإسرائيلية، في أيدي بشار الأسد —ووالده حافظ من قبله. ومع ذلك، لم يشهر نظام الأسد أبداً هذه القدرة، كما أنه لم يستخدم الأسلحة الكيميائية في حرب لبنان في العام 1982 ضد إسرائيل، وحتى بعد أن حطمت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلاح الجو السوري. كما أن هذه الأسلحة لم توظف، أو لم يتم التهديد بتوظيفها في محاولة إخضاع المعادين المحليين الحاليين للأسد. وعلى الرغم من توجيه اتهام لسورية بتزويد صواريخ مدمرة لحزب الله، بما فيها نوع يحمل عناصر حرب كيميائية من الترسانة النووية، فإن الأسد لم يقدم، استناداً إلى ما ذكر، على تحويل قدرات كيميائية مميتة إلى التنظيم الشيعي المتمركز في لبنان.
وعليه، وعلى الرغم من عديد أخطائهما وسجلهما في حقوق الإنسان والذي يستوجب الإدانة، فإن الأسدين تعاملا مع ترسانتهما الكيميائية بمنتهى الحذر. لكن، وفيما يحتمل أن ينزلق البلد إلى أتون الفوضى العارمة، هل سيصمد ذلك التعامل؟
ولنبدأ باحتمال نشوب حرب أهلية. فوفق البحاثة في مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار، تشير مصادر مفتوحة إلى أن ثمة أربعة مرافق، مع احتمال وجود الخامس، لإنتاج الأسلحة الكيميائية في سورية. ويوجد واحد أو اثنان من هذه المرافق بالقرب من دمشق. أما الثلاثة الأخرى، فتوجد في حماة واللاذقية وقرية السفير بالقرب من حلب. وتعد حماة من الأماكن الساخنة في الثورة السورية، والتي كانت قوات الأسد قد هاجمتها في أوائل آب (أغسطس)، وحيث أفضى القتال الأكثر حداثة إلى إلحاق أضرار جسيمة بمستشفيات المدينة. وتعد اللاذقية مركزاً آخر للقلاقل، وقد قصفتها البحرية السورية في منتصف آب (أغسطس). كما شهدت مدينة حلب التي تعد ثاني أكبر مدينة سورية مظاهرات كبيرة.
وإذا ما حمل المتمردون المعادون للأسد الأسلحة، فسيكون من الممكن أن تصبح المواقع الكيميائية، والتي ترمز إلى سلطة النظام، أهدافاً استراتيجية. وإذا ما وقعت انشقاقات كبيرة في الجيش السوري، ربما لن يبقى هناك من يحمي المواقع من السقوط. ومن الممكن أن يفضي هذا إلى عواقب كارثية، بما في ذلك مصادرة الأسلحة الكيميائية من جانب حكومة قومية راديكالية جديدة، أو إلى بيع الأسلحة كغنيمة حرب للاعبين منظمين من غير الدول أو إلى مجموعات إجرامية.
وفي خضم هذه الفوضى لا يستطيع أحد التنبؤ بمن سيسيطر على الأسلحة أو الجهة التي ستؤول لها. وعندما تقع هذه الأسلحة في أيدي أولئك المنخرطين في حرب أهلية محتملة، فستزداد المخاطر على نحو كبير باحتمال استخدامها. وستتفاقم المشكلة أكثر إذا كان بعض من ستقع في أيديهم لا يعون تماماً مدى الآثار المميتة لهذه الأسلحة.
ولنتخيل أن الإطاحة بالأسد قد تمت في نهاية المطاف: فمن هم القادة الذين سيكسبون السيطرة على هذه الأسلحة بعد أن يتنحى ويغادر؟ هل هي المجموعات السنية المدعومة من السعودية؟ أم المليشيات الشيعية المدعومة من إيران؟ أياً كان المسيطرون، فإن من غير الواضح ما إذا كان القادمون الجدد سيتبعون نهج مبدأ الأسد ورفضه مشاركة مجموعات لا تنتمي للدولة في الأسلحة الكيميائية، أو هل سيكون القادة الجدد قادرين على الحفاظ على إجراءات أمنية صارمة في المواقع الكيميائية.
في الأثناء، من الممكن أن يفضي توجيه تهديد وجودي إلى تخلي نظام الأسد عن سياسته السابقة بضبط النفس فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية. وعموماً، فهي لن تكون قفزة ضخمة عن مهاجمة المدنيين بنيران الدبابات وبالأسلحة الرشاشة وبمدفعية البحرية، وعن استخدام الغاز السام وأثر الصدمة والإحساس بالخوف الكامن، حتى في استخدام محدود قد يخمد انتفاضة تعم المدينة خلال ساعة وحسب.
لكن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لتقليل هذه المخاطر إلى الحد الأدنى تعد محدودة في أفضل الحالات. وكانت واشنطن قد حذرت الأسد من مغبة استخدام الأسلحة محلياً. لكن، ونظراً لأن الأسد يواجه أصلاً خطر توجيه اتهام له بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وفي ضوء اعتقاده المرجح بأن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكرياً بسبب التزاماتها في أمكنة أخرى -بما في ذلك انخراطها الذي لا يحظى بشعبية سياسية والذي ما يزال مبهماً في ليبيا- فقد يكون للتحذيرات الأميركية تأثير ردع ضئيل.
ومن جهة أخرى، لا يبدو توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية لتدمير الأسلحة ذا جدوى من الناحية الفنية. وحتى لو كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستعداً لتغيير الوضع الراهن، فإن الاعتقاد السائد هو أن الأسد قد خزن عناصر كيميائية بالجملة، وعبأ (أو عبأ على نحو سريع) قذائف وقنابل في دشم تحت الأرض في مواقع عديدة في طول البلاد وعرضها. وبالإضافة إلى ذلك، وحتى لو استخدمت إسرائيل قنابل حارقة في محاولة لإحراق العناصر الكيميائية، فإن خطورة انتشار كميات ضخمة من السوائل السمية ستبقى قائمة، مع احتمال التسبب في وقوع خسائر واسعة المدى.
قد تحتاج إدارة أوباما إلى الشروع في التخطيط راهناً لإدارة إرث أسلحة الأسد الكيميائية. وإذا ما حلت حكومة جديدة محل الأسد -أو حتى إذا تنافست مجموعات مختلفة من أجل الاستئثار باعتراف دولي- فإن ائتلافاً تقوده الولايات المتحدة، ويضم تركيا والبلدان العربية البارزة، يجب أن يطالب -كأحد شروط تقدم الدعم- بأن توضع الأسلحة الكيميائية في الحال تحت سيطرة مراقبين دوليين تابعين لمنظمة منع الأسلحة الكيميائية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، بالإضافة إلى وضع خطط لتدميرها. ويؤمل أن يتوافر قادة سورية الجدد على إرث أصيل بحيث لا يحتاجون إلى تبديد مصداقيتهم في الوطن عبر التمسك بهذه الأسلحة البربرية.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Assad’s Chemical Romance

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock