حياتنافنون

“ريح ربانية” و”انسريتيد”.. فيلمان يعكسان أثر الحرب والتطرف والإرهاب

إسراء الردايدة

عمان- بين فيلمي “ريح ربانية” الجزائري و”انسريتيد” البلجيكي ثيمة واحدة، وهي الإرهاب وأثره ودور السينما في محاربة التطرف وإن اختلفت الطريقة التي تناول بها مخرج كل فيلم شريطه والزواية التي طرحها.
الحرب والإرهاب، من قضايا الساحة العالمية؛ خصص لها مهرجان الفيلم الفرنسي العربي بدروته الـ25 مساحة كبيرة.
فيلم “ريح ربانية” لمخرجه الجزائري مزاق علواش، يتناول حكاية شابين يتم تكليفهما بالقيام بعمل مسلح ضد محطة لتكرير البترول في صحراء شمال افريقيا ليغوص علواش في الجانب الفنسي لكلا الشابين قبيل تسليم أرواحهما لجماعات إرهابية ومتطرفة مارست غسل أدمغتهما.
علواش الذي يميل لتناول حياة وواقع الشباب في بلاده، يستخدم اللونين الأبيض والأسود طيلة فيلمه، ينجذب للقضايا الشائكة، وهو المنحاز دائما للشباب وانطلق في العام 1976 بفيلمه “عمر قتلته الرجولة” وأعمال تناولت وغاصت في أحداث العشرية السوداء وتيارات التشدد الديني والتطرف الفكري في غالبية أفلامه مثل “التائب” و”حراقة” و”باب الواد سيتي” و”العالم الآخر” و”السطوح”، وكلها تتسم بمخاطبة عقول الشباب بقضاياها ومن منظورها مستخدما فيها تقنيات سينمائية وبسيطة وحوارت مباشرة جعلته الأقرب لهم.
اختيار علواش الأبيض والأسود بغية التقاط الحالة النفسية للشابين، يعكس اضطرابهما وتشوشهما وارتباطهما بجماعات جهادية، وأسهم التصوير البسيط بالتركيز على عواطف الشخصيات بدلا من أي تفاصيل زائدة، وسط البيئة الصحراوية التي يعتزلون فيها للموت من أجل القضية، نور وأمين يخفيان الخوف بين رمال الصحراء ليظهر ضعف كل منهما خاصة من وجهة نظر الانتحاريين.
“ريح رباني”، عمل فني منخفض الميزانية ولكنه يقدم نموذجين مختلفين للمتطرفين؛ الأول شاب متعلم من الطبقة المتوسطة، والثاني امرأة متشددة ومتعصبة من بيئة محافظة، تعاني من عقد نفسية ومشاكل عديدة تظهر في صراعها مع نفسها وتظهرها بقساوة التصرفات والانضباط الجدي، في قالب درامي مباشر.
وفيلم علواش يتناول الجيل الجديد من الإرهابيين، فالشخصيتين ليستا ضحية ظروف وفقر، بل على قدر من التعلم واستخدام التكنولوجيا، فاختار التركيز في عوالمهما النفسية بدون الغوص في ماضيهما، وما بين القسوة والعناد، يحاول علواش تمريرهما في مشاهد صامتة وغياب للألوان لتحييد المشاهد والتركيز على حالة التشاؤم والجمود وانسداد الأفق الفكري لهؤلاء الشباب، وإن امتلأ الفيلم بكليشيهات عن صورة الإرهابي والجماعات الجهادية والحوار السطحي المباشر.
“انسريتيد”
فيلم تقع أحداثه في شقة بأحد أحياء دمشق التي تواجه حربا أهلية؛ حيث اختبأت أسرة في شقة خوفا من القناصة، ولكنها تتعرض لخطر عنيف يهز كيانها. الفيلم الذي أخرجه فيليب فان ليو تقوم بدور البطولة فيه الممثلة الفلسطينية هيام عباس (أم يزن)؛ الأم الصارمة ذات قوة الإرادة للم شمل من بقي في منزلها.
في الشقة الصغيرة المحاصرة كل شيء يبدو ضيقا ويعكس الجو العام في الخارج، الخوف، الحصار، الإحساس بالتوتر والخطر طيلة الوقت، العنف الجسدي والانتهاكات التي طالت الكثيرين من ضحايا الحرب السورية ما يعري الكثير من الوقائع الصادمة التي يتعرضون لها.
دراما مروعة، تعكس واقع المحاصرين في ظروف مثل هذه وتحت الإكراه؛ حيث من الصعب الا يلوم أحدهما الآخر، خاصة فيما يتعلق بقرارات مستحيلة يتوجب أخذها في أحلك الأوقات من أجل حماية الأرواح.
البيت معرض في أي وقت لاقتحامه وتستمر الحياة وتبقى الابتسامه على وجوه الأطفال والشباب والخوف والاضطراب على وجه الأم والبنت الكبرى والجد. تنهار أم يزن التي تقوم هيام عباس بدورها في داخلها حينما لا يعود الأب وتتحمل وتقاوم أن تخرج منها الدموع لكي تبقى صامدة مهما مات ما بداخلها.
وينقل الفيلم ما تصنعه الحروب في الإنسان والتغيرات النفسية وآمال كل فرد، وحياة البشر العاديين، ضحايا الحرب والنار الذين يكافحون من أجل البقاء والمقاومة ضد الموت، كيف أن الحرب تستنزف الإنسانية، والكرامة، وكيف تعقد حياتك على أمل ينهار، وكيف ينشب ويولد البعض وسط النيران، وكيف يسعى الكل للهروب وهو يموت، أملا في حياة بسيطة، تتراءى للمشاهد كل مشاكل، ومعاناة الإنسان، وكل ما يمكن أن يتعرض له من اضطرابات نفسية وألم وما يجنيه الكل جراء تلك الحروب المدمرة.

مشهد من فيلم “انسريتيد” – (من المصدر)
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock