منوعات

ريفيون في عمان: تفاعلات مستمرة نحو شكل جديد للمدينة

محمود منير


عمان- “أحيا نمطا مدنيا في تفكيري”، يقول المحامي عذيب برقاوي الذي تعود جذوره إلى قرية(برقة) في نابلس.


ورغم أصوله القروية، إلا أن برقاوي كان ولد في عمان،ولم يعش في قريته “حتى أنني لم أقم بزيارة للقرية التي جاء منها والداي”.


يشعر أحياناً أن لديه “بعض الممارسات الريفية المكتسبة من خلال الوالدين”، كنوعية الطعام الذي يُطبخ في البيت، إذ يرى أنه ما يزال الطعام نفسه الذي تعلمته والدته في قريتها الأصلية.


برقاوي يصرّ على أن هذه العادة وغيرها من العادات كان بالإمكان تغييرها إلى ما هو مديني لو أن والديه اختلطا بشكل حقيقي بالمدينة. ومن وجهة نظره فقد اندغم هو بالمدينة ومكوناتها الحضارية كجيل ثان.


وجهة نظر برقاوي تبدو واضحة نسبياً، لكنها ليست كذلك عند الغالبية الساحقة من الجيل الثاني للريفيين الذي يسكنون عمّان، فهم يعتقدون أن المدينة كمكان للولادة كافية لتحويلهم إلى مدينيين.


“خلط معرفي باعتقاد المدنية مرتبطة باستخدامات التكنولوجيا”، يرى دارسون في علم الاجتماع، ويؤكدون “المدينة نمط حياة له عاداته وتقاليده”، والتي يصعب التحول إليها في فترة قياسية.


دارسون في علم الاجتماع يرون أن “معظم سكان مدينة عمان ريفيون وبدو”، قسم يعيش المدينة منذ أكثر من نصف قرن وعليه ولد أبناؤه وأحفاده في عمان، فيما بقية السكان هم نتاج هجرة مستمرة من الريف والبادية لم تتوقف تحولاتها داخل المدينة حتى اللحظة.


القاص والزميل جعفر العقيلي أمسك هذه التحولات في إطار تجربته الشخصية التي انعكست لاحقاً عليه ابداعياً فيصفها:”… وجدُتني في وسطٍ آخر، غير الذي اعتدت عليه في القرية، وما يسّر عليّ قبول ما استجدّ في حياتي تلك المرحلة الوسطى-الانتقالية في حياتي، أعني الجامعة، رغم أن أجواءها كانت انعكاساً –ربما مشوهاً- عن تلك التي ألفتها في القرية”.


وأضاف العقيلي “وقد وجد هذا صداه في مجموعتي القصصية “ضيوف ثقال الظل”، التي عبّرت عن انتقالٍ من نسقٍ يقوم على العزلة حدَّ الضجر إلى نمطٍ حياتي عمادُه الضجيج والازدحام في العلاقات البشرية(لا الإنسانية)، ما دفعني(أو دفعَ بطلي؛ الأمر سيان) إلى التخلص من الدفاتر المحشوّة بأرقام الهواتف لأشخاص أعرفهم، وآخرين لا أعرفهم، وربما لم ألتقِ بهم، أو زوّدوني بأرقامهم لأتصل بهم لاحقاً، عارفين منذ البداية أنني لن أفعل!”


وفي الإشارة للمخاوف التي تصيب القروي في إقامته الأولى بالمدينة، أوضح جعفر”غول؛ عمّان غول، وكانت عند قدومي إليها محمّلاً بالوعود “قصيدتي وارتباكي” كما وصفتُها ذات نصّ حميم، وأتذكر هنا قصيدة صديقي الراحل سلامة شطناوي الذي بكاها مرّاً وهو يغادرها على كرهٍ قافلاً إلى إربد(الحضن-القرية):”عمّان ويحي كيف أذكرها”.


وتماماً كما هو الحال في تجربة المهاجرين من الريف يهتدي جعفر إلى شبكة من الأصدقاء “القرويين”، “وبدا ما بيننا أشبه برابطةٍ غير معلَن عنها، يسند بعضنا بعضاً من دون تحيزات جغرافية أو سواها..فثمة ما يجمعنا –أبناء القرى- ويجعلنا على تواصلٍ دائم عائلياً..”.


وأضاف جعفر “لم أنجح بالطبع في تحويل بيتي “العمّاني” إلى مضافة مثلاً، لكنه مكان يتيح لنا الالتقاء فيه دائماً نحن مثقفي القرى القادمين إلى المدينة، وحتى ليل أمس كان الحديث يدور حول ذكرياتٍ استنهضناها من مكامنها القريةُ بطلُها بلا منازع، وسعدنا بهذا الحبل السرّي الذي ما يزال يربطنا بعالَمٍ حُلمٍ غادرناه بحثاً عن حلمٍ أكبر، وما حالفنا الحظّ”.


ويلفت جعفر إلى عدم اندماجه في المدينة حتى اللحظة بقوله “ما علينا! المهم أنني لم انجح بعد في بناء علاقة مع المدينة، ما يجعلني أفكر على الدوام بالعودة، أو الهروب، بل وأمعن في التخطيط لذلك، فيما تتحلّى زوجتي بنظرة واقعية، وتقول لي:”لا مهرب”. ربما تكون محقّة، لكنني لن أتراجع عن مواصلة الحلم في البحث عن مكان آخر أتواصل معه كما كان يفعل جدّي مع المكان الذي يعيش فيه!”.


وختم جعفر “يمكنني القول إن عمان ليست لي، ليست مكاني.إنها للجميع ولا أحد في الوقت نفسه، ودليل ذلك أنني عندما أزور أحد الأصدقاء في قريته يحتفي بي ويقيم لي غداءً، ومعه حق في ذلك، فأنا أزوره –بالمعنَيَين الاعتباري والشخصي- وهو “المعزِّب”.. وحين يجيء هذا الصديق نفسه إلى عمّان لا أجدني مضطراً إلى أن أفعل معه ما فعل معي، فنكتفي بفنجان قهوةٍ رديئة في مكتبي بالصحيفة، أو “ساندويشات” على السريع إن كان ثمة جوع، ويندر أن أدعوه إلى بيتي، ولا غرابة في ذلك: إنني أشعر أنه ليس ضيفي تحديداً..إنه ضيف عمّان، وعمّان ليست لي بالتأكيد..”.


بدوره نبّه الصحافي فايق حجازين، ابن قرية السماكية والمقيم في عمان منذ20 عاماً، إلى التأثير الريفي في عمان والذي يخالف التنظيم عادة  حيث يطلب الريفيون من اللحام ان يذبح الذبيحة أمامه كما في الريف وهو ما أمر غدا مألوفاً.


واعتبر حجازين أن وجود الأغنام وبين العمارات وعلى اي مساحة ارض خالية أو الزراعة فيها هي مظاهر ريفية غزت المدينة، إضافة لطابع العلاقات الاجتماعية، فالريفي بطبعه يقيم علاقات مع جميع جيرانه على خلاف الآخرين.


وأشار حجازين إلى أن أبناء عمومته يقومون بإيقاف سياراتهم عند وصولهم عمان، ويتنقلون بالمواصلات خوفا من الازدحام المروري وهو يعكس سلوكا ريفياً بالتأكيد.


من جهة أخرى، أكد حجازين أن “كل ريفي في داخله بذور المدنية، وهو مؤمن بالتطور بل ويحاول العيش حياة مدنية حتى في ريفه، وفي الوقت نفسه فيمكن القول إن الريفي اثرى المدينة في تنوعها الاجتماعي وجعل ثقافتها متعددة، واستطاع التخفيف من حدة مظاهر المدنية الجامدة المرتبطة بالصناعة والتجارة”.


وفي تعليقه على الموضوع أفاد أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا سالم ساري أنه حتى في المجتمعات الكبيرة بالعالم ليس هناك داخل وخارج، وصار المجتمع نفسه منساباً وهناك سهولة في التعامل والمعاملات.


وأوضح ساري أن أغلبية سكان عمان هم من أصول ريفية وبدوية، فالآباء في الأحياء الراقية كعبدون والصويفية هم من أصول بدوية أو ريفية ولا يجدون أي فصل حاد بين القرية أو البادية وبين المدينة، على خلاف أبنائهم حيث القرية لم تعد تشكل شيئاً كبيراً، وليس لديهم انتماء للأرض(الزراعية) ولا للعشيرة، والعائلة في انحسار، وصارت زيارته إلى قريته الأصلية أشبه بالعقوبة.


ونوّه ساري إلى الفرق الشاسع في العلاقات الاجتماعية بين الشباب في عمان من أصول ريفية والشباب خارجها، ففي عمّان يميلون إلى العقلانية والمصلحية والمنفعية في علاقاتهم ويملكون المعرفة الواسعة لما يجري من مستجدات في العالم وخاصة في المجال الفني والتقني وميّالون لتعريف أنفسهم وفق إنسانيتهم أو تخصصاتهم:أنا إنسان، أنا طالب، أنا مهندس معماري…


واعتبر ساري أن نظام السير خير دليل على ريفية عمّان، فلا ثقافة مرور لدينا حيث لا التزام بقواعد السير وأبرزها اعطاء الأولوية، وكثرة الحوادث دليل على ريفية المدينة وبدائيتها.


ومن جهة أخرى لفت ساري إلى التنويعات على اللهجة الدارجة بين من هم أكبر سناً، وفي المعاملات حيث تجد عادات الريف كالكرم والشجاعة والشهامة والرجولة والملامح العامة للأشخاص لم تأخذ طابعا مدنيا حقيقيا، وفي الأحياء الشرقية من عمان تلمس الريفية في النظام الغذائي والمنازل المتجاورة والسكان المتجاورين بينهم العلاقات تماماً كما الريف.


وأضاف ساري “بينما ترى المدني الأصلي واقعياً وعقلانياً ويقلل من طموحاته إلى أبعد حد بالنظر إلى تكاليف المعيشة، فإن العمّاني من أصول ريفية يعتقد أن أصله الاجتماعي أو تعليمه أو علاقات والده تؤهله لنيل حصة في السلطة، وهذا أمر ممتاز لكن قد يسبب له احباطات دائمة إذا ما فشل، لكن تبقى الفرصة أمامه كبيرة”.


وشدد ساري على أن ثنائيات: قرية/ مدينة، داخل/ خارج، ريفي/ حضري في سبيلها إلى الزوال النهائي بفعل حركة العالم التي تختزل المسافات والحدود والمجتمعات، لكن تبقى هنالك مشكلة ثقافية، فالتحول نحو المدنية ليس تحولاً أوتوماتيكياً، فالمدنية نمط أو طريقة حياة والريفي في عمّان سيعيش نمطاً خاصاً به وتحوّله يحتاج إلى فترة طويلة.

تعليق واحد

  1. قروية وافتخر
    عشت في عمان قرابة 15 سنة,لكن للاسف لم يحصل بيني وبينها اي انسجام بلرغم من جمالها ووجود الكثير من الاشياء التي تربطني بها.حوارة لم ولن تغب عن بالي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock