ثقافة

زريقات: الترجمة مشروع حضاري يفتح الآفاق لـ”تتعارف” الإبداعات

عزيزة علي

عمان- أخذها شغفها لعالم الكتب والترجمة، فمن رائحة الدواء الذي يشفي الناس الى رائحة الكتب التي تغذي الفكر والروح. هي الناشرة والمترجمة الأردنية منى زريقات صاحبة “دار المنى” للنشر التي تقيم في السويد منذ العام 1984. درست الصيدلة في الجامعة الأميركية في بيروت، وتخلت عنها لتلحق بشغفها بتأسيس دار للنشر بهدف تقديم الأدب السويدي للقراء الناطقين باللغة العربية، وتحديدا الأطفال.
حينما ذهبت الى السويد تعرفت إلى المؤلفة وكاتبة السيناريو السويدية أستريد ليندغرين، وتم الاتفاق بينهما على ترجمة أعمالها الى اللغة العربية، فكانت انطلاقتنا الأولى بـ”دار المنى”، وقام د.وليد سيف بترجمة العديد من الإصدارات التي أضاف لها رونقاً فوق رونق، ومن هذه الأعمال مثلا “الاخوان وميو يا ولدي وجنان في بيت يا ليت” وغيرها.
تقول زريقات لـ”الغد”، خلال مشاركة “دار المنى” في معرض عمان الدولي للكتاب بآخر إصداراتها الأدبية للكبار والصغار “إن المعرض فرصة للقاء مع دور النشر العربية والتعرف إلى آخر إصداراتها، ومع القارئ العربي والأردني في عمان، بعد توقف قسري بسبب جائحة كورونا”، مشيدة بالترتيب والتنظيم في هذه الدورة.
وأكدت زريقات أن معرض عمان للكتاب هو “نافذة للتعرف على آخر الإبداعات العالمية، خصوصا أن الترجمة الآن في ذروتها وتسير على قدم وساق”، داعية الجمهور والمؤسسات المدنية والرسمية للحضور الى المعرض والاطلاع على آخر الإصدارات من مختلف أنحاء العالم، والتعرف أيضا على النشر في الخارج، مبينة أن “دار المنى” تشارك في معرض عمان منذ العام 2015، ولها فرع في الأردن.
وعن بداياتها مع النشر، تقول “إن البداية كانت مع أدب الطفل، حيث ترجمت الروايات العالمية التي وجدت صدى وقبولا واسعا من القراء”، لافتة الى أن الدار اهتمت بإصدارات أدب الطفل، الذي كان ينتج بشكل غزير في الدول الغربية، وكان شحيحا في الوطن العربي، إذ تتميز الدول الإسكندنافية بعنايتها الخاصة بثقافة الطفل، من هنا كانت الانطلاقة في تناول الأعمال المكتوبة للفئة العمرية بثيمات عالمية تصلح لمختلف الثقافات.
وتتابع زريقات التي تعد رائدة في مجال أدب الأطفال وترجمته من السويدية إلى العربية، وفي مجال نشر وبيع الكتب “لقيت تلك الإصدارات استقبالاً رائعاً من القراء العرب الصغار والكبار، وأصبحت إصدارات دار المنى للأطفال والفتيان مقصدا للعائلات والمكتبات والمعارض”. وتبين أن الدار وسعت خياراتها في مجال ترجمة أدب الطفل عن بقية اللغات الإسكندنافية، وبمرور الزمن، ارتأت “دار المنى” أن تصدر أعمالا للكبار، وركزت بشكل خاص على الأدب الإسكندنافي الذي لا يُترجم كثيراً إلى العربية، وتعريف القراء العرب بخصوصية هذه الثقافات. وقامت الدار بترجمة مؤلفات لمؤلفين كبار، منها “ثلاثة يون” لكالمان ستيفنسن، “المهاجرون” ليولهيلم موبيرغ، ورائعة يوناس يوناسون “المئوي الذي هبط من النافذة واختفى” بجزأيها.
وأشارت زريقات الى أن كتاب “عالم صوفي” لجوستاين غاردر، الذي ترجمته الراحلة الدكتورة حياة الحويك عطية، يعد من أكثر الكتب انتشاراً على الإطلاق في العالم العربي، وما يزال يطبع حتى الآن بأعداد كبيرة بنسخ مزورة منذ أكثر من ثلاثين عاما على صدوره، مبينة أن دخول عالم الترجمة لم يكن سهلاً، خصوصا في فترة ثمانينيات القرن الماضي، ولم تكن الترجمة بهذا الانفتاح الذي نراه اليوم.
وتضيف “أن الترجمة مشروع حضاري يفتح الآفاق للثقافات المختلفة لتتعارف وتتلاقح الأفكار والإبداعات”.
وأكدت زريقات أن منشورات “دار المنى”، ترفد المكتبة العربية بأدب الأطفال والفتيان، لأنها تختار ترجماتها من مختلف اللغات وتلقى احتفاءً من النقاد، وتتم الترجمة بالتعاون مع صفوة المترجمين. كما تنتقي أجود وأندر أعمال الكتاب الكبار التي تتناول مواضيع غير مألوفة في الإنتاج العربي لتنقلها إلى العربية، وتعرف القراء والكُتاب بالثيمات والأساليب الجديدة التي تصاحب تطور الرواية في الغرب. وبذلك، يواصل الذين قرأوا إصدارات الدار صغاراً التواصل معها وقراءة إصداراتها فتياناً وشباباً وشيوخاً.
ورأت زريقات أن الأطفال يجدون في الكتب مساحة للإبداع والخيال بعيدا عن الوعظ المباشر والتلقين، وهي أول من ترجم الأدب الحديث للأطفال العرب عبر سلسلة كتب “برهان”، لمؤلفتها جونيلا برجستروم، وكتب للفتيان والشباب مثل “الطريق الى القدس، وفارس المعبد”.
وأشارت زريقات الى وجود ألوان وثيمات في أدب الدول الاسكندنافية بشكل خاص، وهي أنها تستشرف العوالم المستقبلية وترصد التأثيرات التي يحدثها الناس على البيئة وما يمكن أن يسفر عنه الاستغلال الجائر من تخريب للكوكب وحياة البشر، ومثل هذا التوجه “لا نراه في آداب الأمم الأخرى تقريباً”، لافتة الى أنها قامت بإصدار مؤلفات تتحدث عن الوعي البيئي مثل رواية الكاتبة الفنلندية إيمي إيتورانتا، وهي بعنوان “حراس الماء”، ورواية الكاتبة النرويجية المعروفة عالميا، مايا لونده “حين اختفى النحل”.
وقالت زريقات، إنها انتبهت إلى أهمية كتب الفلسفة، فقامت بإصدار مجموعة كتب بطريقة مبسطة تناسب الفتيان، خاصة مع المطالب المتزايدة بتدريس مادة الفلسفة في المدارس، وتم إصدار كتابين في هذا المجال للكاتبة والفيلسوفة السويدية ليزا هيجلند، هما “أن تفكر بعمق”، “بالتأكيد نعم طبعا لا”، ولقيا إقبالا من قبل المتخصصين الذين اطلعوا عليهما ولدى القراء العرب على حد سواء.
وتحدثت زريقات عن أبرز التحديات التي تواجه الناشر، قائلة “مشكلات التزوير والانتحال والترجمات بلا حقوق، حيث تضيع جهود الناشر والمترجمين، وتتم السرقة بشكل مباشر وصارخ، وهناك صعوبات في الترويج بسبب غياب النقد والمراجعات التي تعرف الناس بالإصدارات الجديدة وتقديم إضاءة ذات فائدة”. وتلفت الى النسخة المزورة التي تباع بكميات تفوق الأصلية أحيانا، وللأسف، “ليس لدينا إحصائيات جادة عن سوق الكتب ومشكلاتها، في حين أصبح النقد بين الأصدقاء ويقوم على المجاملة وليس القراءات الموضوعية”.
ويذكر أن منى زريقات ولدت في الأردن وتقيم في السويد منذ أكثر من خمسين عاما، تهتم بأدب الأطفال والناشئة والكبار، درست الصيدلة في الجامعة الأميركية، حصلت على جائزة “إيلدشَل”، من الأكاديمية السويدية لأدب الطفل، وتم تكريم زريقات من قبل ملك السويد كارل جوستاف بحضور الملكة سيلفيا، لدورها في التجسير بين آداب العالم والقارئ العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock