أفكار ومواقف

زمن خليل الوزير..!

مرّ أول من أمس 24 عاماً على اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير “أبو جهاد”. وكان عناصر الموساد وقوات النخبة المدرّبون على القتل بدم بارد قد اغتالوه في منفاه البعيد في تونس يوم 16 نيسان (أبريل) 1988. ولم يكن أبو جهاد هو الفلسطيني الأول الذي غالته يد الغدر ولا الأخير، من شعب قدم عشرات الآلاف من الشهداء وما يزال في سبيل حريّته. لكنّ حصته من النضال وضعته في مصاف القيادة التي أدارت الصراع من العدوّ في حقبة مختلفة مميّزة، كتبت فصلاً يستحقّ القراءة باحترام لدى أيّ مراجعة لانعطافات النضال الفلسطيني الطويل.
ولَم تخلُ مرحلة أبو جهاد ورفاقه من العثرات والنهضات. ولم يتوقف فيها الفلسطينيون عن الجدل المعتاد حول أداء قياداتهم، مدفوعين بالتطلع الطبيعي إلى قطع شيء من الطريق باتجاه التحرر. ولم يكن أبو جهاد، أو حتى قائده ياسر عرفات نفسه، في معزل عن النقد حيناً والثناء حيناً آخر. لكنّ الشيء الأكيد في ضوء التحولات التي شهدها الأحياءُ بعد ذلك، هو أنّ ذلك الماضي كان أفضل من الحاضر، وأنّ الروح الفلسطينية في تلك الأيام الصعبة المعجونة بالاشتباك المتواصل كانت أعلى، والآمال أعرض وأبهى. ويبدو الآن أنّ الاغتيالات التي نفذتها قيادات كيان الاحتلال في تلك الحقبة، كانت الأداة الاستراتيجية بعيدة النظر لحرمان الفلسطينيين من القادة الأنداد القادرين على إحداث الفرق.
لا أدري إذا كُنّا في الثمانينيات –في زمن أبو جهاد ورفاقه- نستلهم روحاً شابة وثّابة قليلة الحكمة والتجربة حينَ كنّا نتحدث بثقة عن تحرير فلسطين، أم أننا كُنا نقرأ فقط معطيات تغذي الأمل. لكنّ الشيء الأكيد هو أنّ الجيل الفلسطيني والعربي الراهن الذي يمرّ في المرحلة العمرية التي كنا نعيشها آنذاك، هو أقلّ منّا أملاً، لكنه ليس أكثر حكمة ورضى. في تلك الأيام، كان استماعنا للأناشيد التي تذكر البندقية وغصن الزيتون في المقطع الواحد طبيعياً وليس “هَبلاً”. ولم يكن الحماس الذي دفع بالكثيرين إلى تقرير الانضمام إلى المقاتلين في بيروت نزوعاً انتحارياً. ولَم يكُن قمع الأنظمة العربية في تلك الأيام قليلاً وهي تمارس ازدواجية مكشوفة بين الخطاب الكلامي القومي العالي عن فلسطين، وبين منع النّاس بكل همة من الانخراط الفيزيائي -أو حتى النظري- في الصراع ضدّ العدو. لكنّ ذلك لم يكُن يخيف حين يكون خيار الفرد النهائي هو العيش في المعسكرات والخنادق تحت القصف وأمام احتمال الموت، بأمل النصر أو الشهادة.
المشكلة أنّه لم يتوقف استشهاد الفلسطينيين–في زمن القادة غير المقاتلين- لكنّه أصبح الآن أقلّ كلفة حتى يكاد يكون بالمجان. وبدلاً من “الكرّ والفرّ” المنطويين على احتمال الهزيمة والنصر، انحاز قادة “المعركة” في الجانب الفلسطيني إلى الفرّ فقط. ومع أنّ المقارنة ليست عمليّة إلا بمقدار تعلّم الدروس إذا أمكن، فإنّه لا بدّ أن يُثير التأمل شريط الفيديو الذي يعرض “أبو جهاد” وهو يشرح خطة لاقتحام وزارة الدفاع الإسرائيلية، ومحاولة اصطياد آرئيل شارون وتحرير أسرى. هل كانَ يرى ذلك واقعياً؟ كان الجواب واضحاً في عدوى الثقة التي أصابت المقاتلين المَرحين الذين يتلقون إرشاداته. وهل كان الرجال في زمن أبو جهاد يصيبون العدو بالصداع؟ كانوا يفعلون! وكانوا يعملون بالطريقة التي تترك احتمال الأمل الفلسطيني مفتوحاً على اتساعه.
الآن، في زمن أوسلو، بعد مرور ثلاثة عقود على معركة بيروت، وأربعة وعشرين عاماً على تصفية خليل الوزير: هلْ أصبحنا أقلّ قلقاً وأكثر قُرباً من فلسطين؟ هل تكون معاناة اليوم شحيحة الأمل أقل وطأة من تلك المعاناة وفيرة الأمل؟ وهل يهدئ الخواطر أو يعزّي الفلسطينيين أن يقول لهم القادة اليوم: لا قِبل لنا ولكم بالعدو! لن تنجدنا البندقية، فدعونا نتدبر أمر استسلام مشرّف، بالسياسة؟!
منَ المريعِ، والصحيح أيضاً، أنّ العدوّ المعتمد وجودياً على فكرة اغتيال النقيض، لم يسمح يوماً باستمرار وجود قائد فلسطيني يمكن أن يسبب له الأرق ويعامله بواقع الندية ومبدأ العين بالعين. وقد كثرت الاغتيالات واستشهاد القادة في زمن أبو جهاد، لكنه كان مع ذلك زمناً ذهبياً لا علاقة له بدولة اليوم ولا برجالها.

تعليق واحد

  1. كلام صحيح
    كنت مجتمعا مع مجموعة من أصدقائي ذات يوم و نحن جميعنا من مواليد ال80 و كنا نتحدث عن فلسطين عندما دخل علينا والد صديقي و هو أحد المناضلين القدامى و قال لنا أنه رغم أن جيله عاصر الهزائم كلها إلا أنه يشفق على جيلنا الذي لم يتسن له حتى التفكير بالقتال..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock