أفكار ومواقف

زواج القاصرات وتوريث البنات: الجدل ليس دينيا

الجدل حول زواج القاصرين والقاصرات دون الثامنة عشرة وتوريث البنات ليس دينيا، بمعنى أن هناك فريقا يستند إلى الدين والآخر يعارضه، فالفريقان المؤيدان والمعارضان لتعديل قانون الأحوال الشخصية يتجادلان تحت سقف الدين، وعلى أساس الانسجام معه. حتى الذين يؤيدون اتجاها أو موقفا لأسباب دينية يجب أن يقدموا في المجال العام وفي البرلمان والتشريعات مسوغات عقلية لموقفهم وما يدعون إليه، ذلك أنه وببساطة لا يملك أحد معرفة مراد الله، وسوف نظل نتجادل حول تفسير النص الديني وفهمه وتطبيقه، وكذلك مستويات الخطاب والتكليف وعلته، وهذه مقولة بديهية تؤشر إليها التعددية الهائلة في الفقه والتشريع على مدى التاريخ، وفي المحصلة لا خيار حتى مع الالتزام والإقرار بالمشروعية العليا للدين في التشريع والسياسة من الاختلاف والجدل العقلي.
والمسألة ابتداء لا ينظر إليها على أنها حلال أو مباح شرعا، فالدولة والتشريعات بعامة يقع معظم عملها في تنظيم المباحات، وعندما يكون فعل ما حراما فلا حاجة ابتداء لتشريع أو تنظيم قانوني، ولكن التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول والمجتمعات يقع معظمه في دائرة المباحات، ومنع فعل مباح لا يعني تحريمه بالطبع، ولكن الدول والمجتمعات تمنع وتنظم أفعالا وأشياء كثيرة في تقديرها لمصالح الفرد والمجتمع والدولة. وهي أفعال وأشياء تقع جميعها في دائرة المباحات.
وفي تغير المجتمعات وتتغير البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالتنشئة تتغير أيضا الالتزامات والمسؤوليات، فالأطفال اليوم ينشأون (أكثرهم) في أسر نووية مستقلة، ويحصلون على رعاية ومتابعة تؤخر العمر الذي يكونون فيه قادرين على تحمل المسؤولية والاعتماد على أنفسهم مستقلين، كما أن الحياة والأعمال والمسؤوليات تنزع إلى الفردية أكثر من الجماعية، بمعنى أن المواطن وحده يتحمل مسؤولية كثير من القرارات والأعمال، وللسبب نفسه حدد سن الثامنة عشرة لتحمل المسؤوليات والخروج من الوصاية، ولا بد أن ذلك ينطبق على الزواج، فلا يعقل أن يكون المواطن غير مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله وقراراته وأن يشاركه والداه في المسؤولية قبل الثامنة عشرة، مثل الانتخابات وقيادة السيارة والدراجة والتدخين والعمل والولاية على أمواله التي يرثها، وفي الوقت نفسه يسمح له بالزواج وتكوين أسرة.
المجتمعات تتغير، والبيئة الاقتصادية والاجتماعية وتحدياتها تتغير أيضا، وبطبيعة الحال يجب تغيير التشريعات المنظمة لتلائم هذه التغيرات، .. ولا أحد يتحدث عن معارضة الدين والأخلاق، ولا أحد يحق له أن يعتقد أنه وحده يمثل الدين والأخلاق.: الجدل ليس دينيا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock