فكر وأديان

زواج القاصرين خطوة للوراء

د. أحمد ياسين القرالة

يثير استعمال مصطلح زواج القاصرين حفيظة البعض ويعتبرونه نوعاً من التضليل الإعلامي وتوصيفاً للأشياء بغير أوصافها، والحقيقة أن القانون هو مَن سماهم بذلك في سبعة وعشرين موضعاً ابتداء من المادة (210) وانتهاء بالمادة (247) كما أطلق عليهم وصف الصغار واعتبرهم ناقصي الأهلية المادة (205) خاضعين للولاية أو الوصاية الفقرة ب المادة (212) .
وإذا كانت المطالبة بأن يكون الاستثناء في تزويجهم مقيداً بإتمامهم السادسة عشرة وليس ببلوغهم إياها مخالفة للدين وإفسادا للمجتمع، فإن القانون بهذا المنطق والمعيار هو مَن خالف الدين وأفسد المجتمع؛ برفعه سن الزواج إلى تمام الثامنة عشرة بالتوقيت الشمسي المادة (10)، وهو قول لم يقل به أحدٌ من الفقهاء السابقين، وهو مخالف لهم من وجهين:
الأول أنه حدد سن الزواج بالسنة الشمسية، وفي هذا عدول عن التوقيت القمري المعتبر في التشريع الإسلامي والذي اعتمده القانون نفسُه في المادة (322).
ولما كانت السنة الشمسية تزيد على السنة القمرية بعشرة أيام فهذا يعني أن إرادة المشرع اتجهت إلى التشدد في سنِّ الزواج؛ لأن الفرق بين الحالتين يبلغ ستة أشهر ونيفا.
الأمر الثاني: اشترط القانون إتمام الثامنة عشرة وليس بلوغها، وهذا تشدد آخر ينضاف إلى تشدده السابق.
بناء على ذلك كان من المفروض أن يتوجه الاعتراض لرفع سن الزواج حتى الثامنة عشرة وليس لتقييد الاستثناء الذي يجعله متوافقاً مع الأصل.
إن المنطق التشريعي السليم يقتضي المرونة في الأصل والتشدد في الاستثناء ولكن القانون فعل العكس إذ تشدد في الأصل وتساهل في الاستثناء، حيث اشترط في الأصل إتمام الثامنة عشرة بالسنة الشمسية وليس بلوغها، وفي الاستثناء اشترط بلوغها وليس تمامها مما يجعل الفاصل بين الأصل والاستثناء يقارب الثلاث سنوات، وهذا استثناء غير معقول ولا مبرر، إذ الأصل أن يكون الاستثناء إلى أقرب أوقات الأصل زماناً.
وإذا كان من القواعد المقررة أن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره وإلا أصبح أصلاً قائماً بنفسه، فالقانون تنكب لذلك وتوسع في الاستثناء حيث أجاز تزويج الفتى إذا بلغ السادسة عشرة من عمره المادة (10)، بينما اشترط قانون 76 في المادة (5) إتمامها، أي أن الاستثناء قد خفض سن الزواج بما يقارب العام عما كان عليه قبل أربعين عاماً؛ لأن بلوغ السادسة عشرة يكون بعد يوم واحد من إتمام الخامسة عشرة.
وتوسع ثانية في الاستثناء حيث أجاز للقاضي تزويج القاصر بطلب منها إذا منعها وليها من الزواج من الكفؤ بلا سبب مشروع المادة (18) ، والكفاءة هنا هي الكفاءة المالية أي القدرة على المهر المعجل ونفقة الزوجة المادة (21).
وما نصت عليه المادة (18) قريب من المادة (6) الفقرة 1من قانون عام 76، إلا أن هذه أفضل من تلك وأكثر عدالةً ومنطقيةً منها؛ لأنها ميزت بين عضل الأب والجد وبين عضل غيرهما من الأولياء، بينما ذهبت المادة (18) إلى التسوية بينهما وأجازت للقاضي الترويج سواء كان العضل من الأب أو من غيره، وفي هذا توسيع لدائرة تزويج القاصرات وفيه اعتداء على ولاية الأب وإهدار لها، وهو خلاف ما تقضي به القاعدة الفقهية التي تنص على أن الولاية الخاصة- وهي هنا ولاية الأب – أقوى من الولاية العامة، أي القاضي.
ولأن المادة (6) اعتبرت عضل الأب إنما يكون إذا تجاوزت الفتاة الثامنة عشرة من عمرها، بينما ذهبت المادة (18) إلى اعتبار الأب عاضلاً إذا بلغت السادسة عشرة من عمرها، وهذا شيء عجيب ومستغرب، فإذا كان القانون الذي كان ينص على أن سن الزواج هو تمام الخامسة عشرة قبل أربعين عاماً لم يعتبر الأب عاضلاً إذا طلبت الزواج قبل بلوغها الثامنة عشرة، فإن القانون الجديد الذي نص على أن سن الزواج هو تمام الثامنة عشرة اعتبره عاضلاً ببلوغها السادسة عشرة، فإي منطق تشريعي هذا؟!
لعل أكثر ما يثير الحزن ويجلب الكآبة في هذا الأمر تلك المداولات التي تصر على اعتبار زواج القاصرات أداة لحماية المجتمع ووسيلةً للمحافظة على عفته وطهارته وطريقاً لصيانته من الفاحشة والرذيلة، فهذا فضلاً عن كونه قصوراً في التفكير وانحرافاً نفسياً وإساءةٌ بالغةٌ للطفولة واعتداءٌ صارخا على قيم المجتمع ومثله العليا وتصويره على أنه مجتمع غرائزي قاصر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock