فكر وأديان

زواج عائشة رضي الله عنها

د. أحمد ياسين القرالة

تحدثنا في المقالة السابقة عن منهجية التعامل الحديث الشريف، وبينا أن صحة السند لا يلزم منها صحة المتن بإطلاق، وأن تأويل الحديث أو رده في بعض الأحيان لا يقل أهمية عن قبوله.
وفي هذه المقالة نتناول حديث زواج النبي عليه السلام من السيدة عائشة رضي الله عنها، الذي رواه البخاري عن هشام بن عروة حيث قال: تزوج النبي صلى الله عليه و سلم عائشة وهي ابنة ست سنين (الصف الأول الابتدائي)، وبنى بها وهي ابنة تسع سنين (الصف الثالث)، ولم يكن هذا الحديث كغيره من الأحاديث المشكِلة إذ انبنى على ظاهره فقه كامل يذهب إلى القول بجواز تزويج الصغيرة مهما كان عمرها، وأنه لا اعتبار لرضاها إذا زوجها وليها، ولا خيار لها بعد الزواج إذا بلغت، كما أنه يجعل الشخص مؤهلا للزواج مع أنه غير قادر على إدارة شؤون أسرته المالية.
يقول ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعا ولو كانت في المهد، لكن لا يُمكَّن منها حتى تصلح للوطء، ويقول: ويؤخذ من الحديث أنَّ الأب يزوج البكر الصغيرة بغير استئذانها.
وبما أن هذا الحديث ورد في صحيح البخاري فهو دِين ثابت، لا يجوز مخالفته، وإنما الواجب هو الدفاع عنه وتسويغه مهما ترتب على ذلك من نتائج وآثار.
لذلك يحاول البعض أن يسوغ هذه الزواج الذي ينتهك الطفولة في رأي البعض بالقول بأن الفتيات كنَّ يبلغن مبكراً في ذلك الزمان، ولكن الرويات الأخرى تدل على أن عائشة كانت طفلةً لا تعي ولا تعرف ما هو الزواج ولم تعلم به إلا قبل الزفاف، بدلالة أنها كانت تلعب في الحارة مع البنات قبل زفافها بلحظات (تخيلوا معي امرأة بالغة تلعب مع الجواري في الحارات)، وإنها انتقلت من اللعب على الأرجوحة(السي سو في زماننا) إلى تهيئة لزفاف لم تكن تعلم بموعده بل إنها كانت آخر من علم به، فقد روى البخاري عن عائشة قولها: فأتتني أمّي أم رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي- فصرخت بي، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج (التنفس بسرعة بسبب الركض، وهو سلوك الأطفال عند الاستجابة للنداء)، حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يَرُعْنِي ( أي لم يفاجئني، وإنما يقال ذلك في الشيء لا تتوقعه فيهجم عليك) إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضُحى فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين، وفي رواية: فأجلستني في حِجره.
وفي رواية للنسائي أن النبي عليه السلام دخل عليها وهي تلعب بالبنات (عرائس الأطفال) واستمر هذا اللعب حتى بعد الدخول بها، وبقيت صاحبتها اللواتي كنا يلعبن معها يأتين إليها للعب معها، وفي هذا تقول عائشة حسب رواية البخاري وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه (يتغيبن منه ويدخلن من وراء الستر) فيسرِّبًهن (يرسلهن) إلي فيلعبن معي.
ومن يتابع رواية أبي داود لحوار النبي مع عائشة عندما سألها عن لعبها يجده حوارا كبيرا مع طفلة صغيرة ساذجة حيث قال لها: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه.
فهل تدل تلك التصرفات والإجابات على شخصية بالغة؟ هذا الذي حمل الفقيه ابن شبرمة على اعتبار هذا الزواج خصوصية للنبي عليه السلام خروجاً من ذلك الإشكال، وذهب إلى عدم جواز زواج الصغيرة قبل البلوغ، وهو الاجتهاد الذي ساعد ومكَّن التشريعات العربية من الاعتماد عليها للتكيف مع الواقع .
وتبيِّن الروايات أنَّ النبي عاش مع السيدة عائشة تسع سنين ومات عنها ولها من العمر ثماني عشر سنة، وهذا يعني أنها تزوجت في الوقت الذي لم تكن بحاجة فيه للزواج وعندما أصبحت بحاجة للزوج والزواج أضحت بلا زوج، لأنه يحظر على أمهات المؤمنين لقوله تعالى” وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا”.
إن العمل بهذا الحديث يؤدي إلى مشكلات كثيرة فهو فضلا عن كونه ينسف مبدأ الرضا الذي تبنى عليه تصرفات الإنسان كلها ابتداء من الإيمان بالله تعالى وانتهاء بأدق التصرفات كما دلت على ذلك النصوص القرآنية، يتعارض مع قوله تعالى:” وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ” حيث جعل النص بلوغ الإنسان لسنِّ الزواج معياراً لرشده المالي، والقول بجواز تزويج الصغار يقلب المعيار، ويجعل الشخص أهلاً للزواج ولكنه ليس مؤهلاً للتصرفات المالية، وهذا شيء عجيب ومستغرب، كما أنه يتعارض مع حديث لا “تنكح البكر حتى تستأذن”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock