فكر وأديان

زيارة القدس تحت الاحتلال

د. محمد خازر المجالي*

موضوع زيارة القدس تحت الاحتلال كان وما يزال محل جدل. وقد تمت مناقشته ضمن فعاليات مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي الأسبوع الماضي، في دورته الثانية والعشرين بالكويت. حيث قُدِّمت أوراق في الموضوع، وكان غالبية أصحابها مع الزيارة.
ولا بد هنا من أن نذكر جملة من النقاط التي تمنع أو تؤيد زيارة المسلم للمسجد الأقصى والقدس تحت الاحتلال، ونتذكّر حقيقة أن اليهود أنفسهم يرغبون في حصر هذه القضية بالفلسطينيين لينفردوا بهم، وهم -اليهود- في حرج شديد من أن يُسمح للمسلمين من جنسيات مختلفة بزيارة “الأقصى”. وربما يكون المنع من قبلهم قبل أن يكون من جراء فتاوى شرعية، أو مواقف رسمية من دول إسلامية.
تكاد تركز الفتاوى المحرِّمة لزيارة “الأقصى” لغير الفلسطينيين على الشأن السياسي المرتبط بالتطبيع. فطلب التأشيرة وزيارة السفارات شكل من أشكال التطبيع، وتأكيد لشرعية الاحتلال، ودعم اقتصادي له. وأنه مع مرور الأيام، سيصبح الأمر عاديا بالنسبة للمسلمين، وتزول الحواجز النفسية والكراهة بيننا وبين الإسرائيليين، وسيصبح احتلال الأرض أمرا عاديا. ويردّ المحرمون على ما ورد من أدلة تبيح الزيارة، ويؤكدون على مبدأ الجهاد والمقاومة، وأن القدس وفلسطين لا تحرران بالسياحة، بل بالدم والنضال.
ولا بد قبل عرض أدلة المجيزين من ذكر النقاط الآتية، وهي مسلّمات:
1. إن موضوع تحرير فلسطين وكل أرض إسلامية محتلة، أمر لا نقاش فيه ولا تنازل. وحين يتم تناول الرأي في موضوع الزيارة، فهو ليس بديلا عن مشروع التحرير العام الذي هو واجب على الأمة كلها، ويبقى أمانة في أعناقها.
2. إن وجود معاهدات سلام مع العدو الصهيوني أمر مرفوض، وهو الذي يؤدي إلى تطبيع العلاقات، في زمن تغيب فيه الإرادات الحقيقية، حين تعيش الأمة مرحلة الغثائية. ويكاد يكون هناك تحكم عالمي في السياسات العالمية بما فيها العربية والإسلامية. وهذا لا شأن له بموضوع الزيارة إن أمكن تحقيقها من خلال الواقع الذي نعيش.
3. كذلك الأمر في شأن الولاء والبراء؛ فهو غير قابل للحوار ولا التنازل عنه. وهذا في زمن السلم، فكيف وقد احتل هؤلاء الأرض وقاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا وظاهروا على إخراجنا؟! فموضوع الزيارة، أيضا، لا علاقة له بموضوع الولاء والبراء، ولا يقرّب عدوا ولا يبعد صديقا، بل قد يراد من الزيارة التأكيد على كره العدو من خلال رؤيته وهو محتل، ورؤية “الأقصى” وهو حزين، مما يترك الأثر في النفس بأن نتطلع إلى اليوم الذي نحرره فيه.
4. موضوع التوعية الفكرية والثقافية ضد المحتل ومن يدعمه من الناس، أمر لا بد من التأكيد عليه. ولا أرى أنه يتأثر بالزيارة، بل أرى أن الزيارة تدعمه. فأن أسمع بالعدو شيء، وأن أراه أمامي محتلا للأرض شيء آخر يزيد في تصميمي على كرهه وتحرير الأرض منه.
5. ورد في بعض هذه الفتاوى ما يشير إلى أن المحتل يملك الأرض والمقدسات، وهذا أمر خطير. فهو محتل ليس إلا، والأرض والمال والمقدسات هي لنا، ومن هنا جاء في الآية: “للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم..”، فهي لهم رغم إخراجهم منها.
نعلم مخططات العدو الصهيوني؛ فهو يشبه أرض فلسطين بجلد الإبل الذي إذا عطش وجاع انكمش.. وإذا شبع وارتوى تمدد. فهذه الأرض -فلسطين- تتسع وتكبر إذا سكنها (شعب الله المختار) كما يسمون أنفسهم، وتتقلص وتنكمش إذا هجروها.
أما أهم أدلة المجيزين للزيارة فهي:
1. دخول النبي صلى الله عليه وسلم، وصحبه رضوان الله عليهم، مكة وهي محتلة، وذلك في عمرة القضاء. وإن قيل هذا ليس احتلالا فهي أرضهم، فهل رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى الأنصار من الزيارة ولم يسمح بها إلا للمهاجرين؟!
2. إن رد المحرمين على المجيزين في موضوع زيارة بعض العلماء للأقصى وهو تحت الاحتلال الصليبي، أمر لا يمكن حصره. فقد ردوا على ما ورد بشأن الغزالي وابن تيمية وغيرهما. وربما يكون الرد صحيحا من حيث التحقيق التاريخي، لكن الأمر أكبر من ذلك. فنحن نتحدث عن أمة بأكملها، فهل تركت زيارة الأقصى؟ وهل هناك أي نص يدل على أن العلماء منعوا من زيارة المسجد والقدس؟
3. لا يوجد ما يشير إلى منع زيارة الحرم المكي إبان احتلاله من قبل القرامطة.
4. المتابع للفتوى يستنتج ما يريده المغتصب من تكريس أن قضية فلسطين هي شأن فلسطيني لا إسلامي، وهذا أمر خطير جدا. ومن هنا، فأن يُسمح للفلسطيني بدخول الأرض المحتلة دون غيره، هو تحجيم وتقزيم للقضية.
5. كثير من الفلسطينيين لا يملكون البطاقات التي تخولهم دخول أرضهم من دون تأشيرة، فهل حصول الفلسطيني على تأشيرة من إحدى سفارات العدو مباح، بينما غير الفلسطيني ممنوع؟! وربما يحمل بعض المسلمين جنسيات لا تتطلب تأشيرة لدخول “الأقصى”، فكيف أمنعهم من الزيارة ولا يوجد تطبيع؟!
6. الدعم النفسي للفلسطينيين أمر لا يستهان به. ولا أدري كيف جعل المانعون زيارة “الأقصى” والقدس أمرا سلبيا على نفسيات المجاهدين! وربما يكون العكس هو الصحيح؛ إذ حين يرى الفلسطينيون إخوانهم من شتى الجنسيات وهم في “الأقصى”، بمنظر هو أقرب إلى الحرمين المكي والمدني، فإن هذا يشعرهم بعالمية “الأقصى”، وعالمية القضية، ليعلم اليهود أن “الأقصى” لكل المسلمين، وأن المسلمين جميعا يفدونه بدمائهم وأرواحهم.
7. إن ما يريده العدو هو أن ننسى فلسطين و”الأقصى”. ولعلنا بمثل هذه الفتاوى المانعة من الزيارة نساعده على أمنيته. فحضور المسلمين من شتى بقاع الأرض إلى “الأقصى” تذكير بالقضية وبالاحتلال.
8. تعرض المانعون في فتواهم لموضوع الدعم الاقتصادي الذي يحصل عليه العدو جراء هذه التأشيرات. وفي المقابل نقول، إن هناك دعما قويا للفلسطينيين، حين أشترِط على الزائرين أن لا ينزلوا إلا في فنادقهم، وأن لا يشتروا ويأكلوا إلا من متاجرهم ومطاعمهم، وهم أحوج إلى هذا الدعم الاقتصادي.
9. ما أثاره بعض الفتاوى من تطبيع ثقافي هو أمر غير وارد، بل ربما يكون العكس هو الصحيح. ونحن لا نتحدث عن غير الملتزمين دينيا، فهم يزورون فلسطين ويذهبون بنية السياحة ولا ينتظرون فتوى، بل الأمر هنا موجه إلى الملتزمين دينيا بأن تكون الزيارة ثقافة موجهة إلى التحرير والإعداد، لا الترفيه والاستجمام.
10. إن الظرف قد تغير حتى في مسوغات التحريم. فالمسجد الأقصى الآن يتعرض لخطر حقيقي في مسألة الهدم وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وهذا يتطلب حضورا إسلاميا مكثفا يردع الصهاينة عن أي فعلة ربما تجلب الغضب الإسلامي عامة.
11. أزعم أن في الزيارة تربية روحية وفكرية، يحصل عليها من يزور “الأقصى” والضفة الغربية وهما محتلان؛ حيث نقل الصورة للآخرين، ورؤية “الأقصى” وهو محتَل، والتطلع والتصميم على تحريره، وتحمل المسؤولية في ذلك، فليست الزيارة سياحة بقدر ما نعدها زادا فكريا وروحيا ينتجان عملا يسهم فيه الزائر في تحرير “الأقصى” وفلسطين.
12. هناك سؤال عام لطالما ورد على البال: هل فلسطين وحدها الأرض الإسلامية المحتلة؟ لماذا نحرم زيارتها وهي تحت الاحتلال، ولا نحرم زيارة إسبانيا مثلا، فهي أيضا محتلة؟! وكذا الصين والهند وأوروبا الشرقية. فإن قيل إن موضوع فلسطين مختلف حيث “الأقصى”، وحيث العدو السرطاني، فالجواب أن الحكم الشرعي لا يفرق بين أرض وأخرى ما دامت إسلامية، والأصل ثبات الحكم في أنها كلها أراض محتلة.
13. بناء على القواعد المتعلقة بالضرر (الضرر يدفع بقدر الإمكان، الضرر يزال، الضرر لا يزال بمثله، الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، يختار أهون الشريّن، إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام، درء المفاسد أولى من جلب المصالح)، فإنني أرى أن الضرر اللاحق بالأقصى والقدس وسائر فلسطين نتيجة لبعد المسلمين عنها، هو أعظم من الضرر الناتج عن ملحقات الزيارة، مما جعله المحرمون شكلا من أشكال التطبيع. فلئن كان هذا وبعض تبعاته ضررا، فإن تخلية الفلسطينيين وحدهم في المواجهة، وإشعارهم أنهم وحدهم المسؤولون عن “الأقصى” وفلسطين أمر في غاية الخطورة.
14. إن الواقع العملي الموجود حاليا؛ بوجود قانون دولي، ودول مجاورة لفلسطين تمنع الجهاد العلني للكيان الصهيوني، ووجود شعب معزول مقهور داخل فلسطين، ووصول الصهاينة إلى قرب إعلان يهودية الدولة وجعل القدس عاصمتها الأبدية، وهدم “الأقصى” وبناء الهيكل مكانه، لهي من أهم الأسباب الداعية إلى إباحة الزيارة بل الترغيب فيها، فلا أقل من أن يبقى المسلمون على علاقة بمسجدهم “الأقصى” وسائر الأرض المحتلة، ودعم الفلسطينيين ماديا ومعنويا، إلى أن يأذن الله بالفرج.

*أكاديمي أردني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock