ترجمات

زيارة بومبيو للمستوطنات توجت جهود أربعة أعوام لتدمير حل الدولتين

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

خالد الجندي* – (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 20/11/2020
صنع وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، التاريخ الأسبوع الماضي من خلال الزيارة التي قام بها إلى مستوطنتين إسرائيليتين؛ مصنع نبيذ بساغوت الواقع في ضواحي رام الله في قلب الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، و”مدينة داوود” الواقعة في حي سلوان الفلسطيني مباشرة خارج المدينة القديمة في القدس. وهي أول زيارة من نوعها لوزير خارجية أميركي في المنصب. ومن الواضح أن الزيارات كانت تهدف إلى إضفاء الشرعية على المشروع الاستيطاني الإسرائيلي وتطبيعه، والذي يعد غير قانوني بموجب القانون الدولي، تماشياً مع نهج الإدارة في الأعوام الثلاثة الماضية.
أدان المسؤولون الفلسطينيون بشدة زيارة بومبيو، التي قالوا إنها “تنتهك بشكل صارخ القانون الدولي” -وهذا بالطبع هو بيت القصيد. فمنذ الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في كانون الأول (ديسمبر) 2017، في ما كان انقلاباً على عقود من السياسة الأميركية والإجماع الدولي الواسع، عملت إدارة ترامب بلا كلل للقضاء على الأعراف الدولية، بما في ذلك مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وقامت بتدمير أي بقايا أخيرة متبقية من حل الدولتين.
ومع ذلك، فإن لفتة بومبيو الأخيرة ذهبت إلى أبعد من أي شيء رأيناه حتى الآن والتي ربما لا يمكن نقض تداعياتها بسهولة. وما لم تكن إدارة بايدن المقبلة مستعدة لإعادة تأكيد مركزية القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين بشكل صارم وصريح كما سعى ترامب إلى تقويضها ونزع أحشائها، وهو ما ينطوي كله على تكلفة سياسية، فإن سياسات الأرض المحروقة التي يتبعها ترامب يمكن أن تنجح.
في الواقع، تشكل جولة بومبيو في المستوطنات هدية رئيسية أخرى لرئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر، بنيامين نتنياهو، الذي ابتلي بالاحتجاجات الدورية، ومحاكمة بتهم فساد تلوح في الأفق والتي من المقرر أن تبدأ في أوائل العام 2021، وإمكانية إجراء انتخابات أخرى -الانتخابات الإسرائيلية الرابعة في أقل من عامين. وقد تكهن البعض بأن بومبيو ربما كان يرسي بزيارته الأساس لترشحه للرئاسة في العام 2024. ولكن، مهما كانت طموحاته السياسية، فإن لفتة بومبيو هذه تتوافق مع إجراءات أخرى اتخذتها إدارة ترامب، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وإعلان وزارة الخارجية قبل عام أنه لن يتم اعتبار المستوطنات غير شرعية بعد الآن، وهي إجراءات مصممة لتقويض الأعراف الدولية ومحو حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم السياسية وتعزيز سيطرة إسرائيل الدائمة على جميع الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.
مع وجود مصنع نبيذ بساغوت كخلفية، استغل بومبيو الزيارة كفرصة للإعلان عن تحولات أكثر جذرية في سياسة الولايات المتحدة. أولاً، أعلن بومبيو أن المنتجات المقبلة من مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية المطلقة، والمعروفة باسم “المنطقة ج”، يجب اعتبارها من الآن فصاعدًا “صنع في إسرائيل”، بما في ذلك البضائع التي ينتجها الفلسطينيون. وفي واقع الأمر، يرقى هذا إلى اعتراف من الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على كل “المنطقة ج”، والتي تشكل حوالي 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية.
في الوقت نفسه، أكد بومبيو موقف الإدارة من أن “معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية”، بإعلان أن الحكومة الأميركية ستدرج المنظمات التي تشارك في المقاطعات الموجهة ضد إسرائيل أو المستوطنات الإسرائيلية أو تدعم هذه المقاطعات في القائمة السوداء. وبعبارة أخرى، فإن المنظمات -بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية- التي تختار الالتزام بالمتطلبات القانونية الدولية بعدم العمل مع المستوطنات الإسرائيلية أو إضفاء الشرعية عليها ستُعد “معادية للسامية” وتحرم بالتالي من التمويل الأميركي.
على هذا النحو، تكشف الزيارة أيضًا عن النية الحقيقية لخطة ترامب التي عفا عليها الزمن الآن، المسماة “السلام من أجل الازدهار”، والتي لم تكن تتعلق أبدًا بإنهاء الصراع بقدر ما كانت تتعلق بتكريس الاحتلال الإسرائيلي الدائم وتحقيق أجندة “إسرائيل الكبرى” التي يعتنقها بومبيو، وسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، ورفاقهم في السفر من أعضاء الإدارة ويخلصون لها شخصيًا وأيديولوجيًا.
وقد لا تكون هذه بالضرورة هي نهاية الخط. فبالنظر إلى التزام الإدارة الأيديولوجي بإسرائيل الكبرى، وكذلك إنكارها لنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، قد يكون لدى هذه الإدارة المزيد من المفاجآت قبل ترك السلطة في كانون الثاني (يناير). وقد شهدنا مسبقاً في الحقيقة ارتفاعًا كبيرًا في عمليات الهدم الإسرائيلية، وعمليات الإخلاء، وإعلانات المستوطنات و”الحقائق على الأرض” منذ 3 تشرين الثاني (نوفمبر)، حيث يسعى نتنياهو وحلفاؤه في حركة الاستيطان إلى الاستفادة من الوقت المتبقي لترامب في المنصب.
في هذا الأسبوع الماضي فقط، فتحت وزارة الإسكان الإسرائيلية وسلطة الأراضي الإسرائيلية عملية تقديم العطاءات لبناء 1.257 وحدة سكنية في “جفعات هاماتوس”، وهي مستوطنة إسرائيلية جديدة تقع في موقع استراتيجي بين بيت لحم والقدس الشرقية الفلسطينية. وجفعات هاماتوس، التي وصفها البعض بأنها مستوطنة “يوم القيامة” بسبب تأثيرها المميت على احتمالية قيام دولة فلسطينية متجاورة وقابلة للحياة، سوف تفصل بشكل دائم حي بيت صفافا الفلسطيني عن باقي القدس الشرقية، كما ستمنع التواصل بين القدس وبيت لحم.
وقبل ذلك بأقل من أسبوعين، في يوم الانتخابات الأميركية، قام الجيش الإسرائيلي بهدم منازل المجتمع الفلسطيني في خربة حمصة في وادي الأردن، تاركًا 73 شخصًا، من بينهم 41 طفلاً، بلا مأوى، فيما وصفه مسؤولو الأمم المتحدة بأنه “أكبر حادثة تشريد قسري خلال أكثر من أربعة أعوام”.
بصفته رئيسًا منصرفاً في آخر أيام ولايته والذي لديه القليل ليخسره، قد يمنح ترامب هدايا أكبر لرئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر وحلفائه في حركة الاستيطان. ويقال إن نتنياهو يدفع الإدارة الأميركية إلى إعطائه الضوء الأخضر لإنشاء مستوطنة “يوم القيامة” الأخرى، المعروفة باسم “عطروت”، الواقعة بين رام الله والأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية. وعلاوة على ذلك، وبعد أن حصلت بالفعل على اعتراف أميركي فعلي بالسيادة الإسرائيلية على معظم الضفة الغربية، ليس من المستبعد أن تعيد إسرائيل مسألة الضم الرسمي لأجزاء من الأراضي المحتلة إلى الطاولة في وقت ما قبل 20 كانون الثاني (يناير).
لم يعلق الرئيس المنتخب جو بايدن على التحركات الأخيرة التي تقوم بها إدارة ترامب -ومن غير المرجح أن يفعل مراعاة لتقليد “رئيس واحد في كل مرة”. ومع ذلك، قال بايدن سابقًا إنه سينقض معظم سياسات ترامب التي تتعارض مع هدف حل الدولتين والمعايير الدولية الراسخة، بما في ذلك، على الأرجح، من خلال استعادة السياسات الأميركية التي كانت معتمدة قبل قدوم ترامب.
وهنا تكمن المشكلة. فحتى قبل وصول ترامب، كانت السياسة الأميركية تجاه القدس والمستوطنات والقضايا الأساسية الأخرى للنزاع قد تآكلت بشدة بفعل عمل الإدارات الأميركية السابقة. ومن غير المرجح أن تكون إعادة الوضع السابق الغامض أو المتناقض كافية لإنقاذ حل الدولتين.
لمواجهة اعتناق ترامب التطرف الإسرائيلي بطريقة فاعلة، سوف يحتاج بايدن إلى أن يكون واضحًا في إعادة تأكيد المعايير الدولية، بما في ذلك عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، وشرعية التطلعات والحقوق السياسية الفلسطينية التي كانت إدارة ترامب عاكفة على تقويضها.
وقد تترتب على ذلك تكلفة سياسية؛ حيث إن العديد من أعضاء حزب بايدن السياسي يتوافقون مع جوانب من سياسة ترامب، مثل الخلط بين المستوطنات الإسرائيلية وإسرائيل وتجريم حملات وأنشطة المقاطعة الموجهة ضد إسرائيل.
وفي غضون ذلك، فإن القرارات الأخيرة التي اتخذتها السلطة الفلسطينية لاستئناف التنسيق الأمني مع إسرائيل وإصلاح سياستها المتمثلة في تقديم مدفوعات للفلسطينيين الذين قتلتهم أو سجنتهم إسرائيل وعائلاتهم -والتي يُنظر إليها على أنها إيماءات إلى إدارة بايدن المقبلة- يمكن أن تعمل بشكل غير مقصود في خدمة غايات ترامب ونتنياهو. سوف تقلل حقيقة قيام السلطة الفلسطينية بتقديم هذه الإيماءات قبل أشهر عدة من تولي بايدن منصبه من الحوافز التي قد تدفعه إلى اتخاذ الخيارات الصعبة التي يتطلبها حل دولتين أصيل وحقيقي. وفي هذه الحالة، قد تنجح محاولات ترامب وبومبيو لتدمير ما تبقى من حل الدولتين.

*مدير برنامج فلسطين والشؤون الفلسطينية الإسرائيلية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة، ومؤلف كتاب “النقطة العمياء: أميركا والفلسطينيون، من بلفور إلى ترامب”، الذي نشرته “مطبعة مؤسسة بروكينغز” في نيسان (أبريل) 2019.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Pompeo’s settlement visit caps a four-year effort to destroy the two-state solution

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock