آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

سؤال الخصوصية والحرية: هل أربك “المواطن الصحفي” المشهد الإعلامي؟ (فيديو)

أحمد غنيم

عمان – منحت شبكات التواصل الاجتماعي للأفراد؛ مساحات واسعة للتعبير عن آرائهم، وكان لحضورها الكبير في الأحداث المختلفة، دورٌ في التأثير والاعتماد عليها كمصدر للمعلومات من شرائح واسعة في المجتمع، لكن كثيراً ما لحقتها سهام النقد بوصفها موطناً للإشاعات والأخبار المزيفة، وانتهاك الخصوصية.

وعند الحديث عن هذه الشبكات، يبرز مصطلح “المواطن الصحفي” أو “صحافة المواطن” الذي أتيحت له مساحة واسعة من النشر وإعادة النشر والنقل، دون رقابة أو قيد في المجمل، بوصفه إعلاماً بديلاً لا يخضع لقوانين الإعلام التقليدي بشقيه الرسمي والخاص، وحتى أنه تجاوز فكرة صحافة الإنترنت في الأردن (المواقع الإلكترونية)، التي خضعت لقانون المطبوعات والنشر.

وجوبه “المواطن الصحفي” بكثير من الرفض من مختصين، يرون أنه مصطلح “خاطئ” و”غير علمي”، فيما يعتبره آخرون أنّه “نتاج حتمي للتطور التكنولوجي والرقمي الهائل، وهو سمة العصر الحديث، ولا يمكن السيطرة عليه أو تقييده”.

تقوم الفكرة الأساسية لـ”المواطن الصحفي”، على أنّ بإمكان أيّ شخص أن يصبح صحفياً من أيّ مكان يوجد فيه، خصوصاً وأنه ليس بحاجة لتقنيات هائلة أو وسائل نشر تقليدية، أو أن يكون ممارساً في مؤسسة إعلامية على اختلاف أنواعها، إذ كان يمتلك هاتفاً خلوياً موصولاً بالإنترنت، ما يتيح له التصوير والكتابة عن أيّ شيء يحدث أمامه.
وكثيراً ما تعتمد وسائل الإعلام على ما ينشر في شبكات التواصل، ورصد اتجاهات المواطنين عليها بشأن القضايا الراهنة.

8.8 مليون مستخدم للإنترنت في الأردن

تشير أرقام رسمية إلى أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في الأردن، تضاعف بشكل كبير خلال 7 أعوام وبلغ في أول 4 أشهر من العام الحالي، نحو 8.8 مليون مستخدم، بنسبة 85% من عدد السكان، مقابل 5.3 مليون مستخدم وبنسبة 41.4% في العام 2013.

رسم يوضح عدد مستخدمي الإنترنت في الأردن في 7 أعوام (هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ودائرة الاحصاءات العامة)

 

رسم يوضح نسبة انتشار الإنترنت بالنسبة لعدد السكان (هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ودائرة الاحصاءات العامة)

ويعتبر مختصون أنّ “أكثر مستخدمي الإنترنت، يمضون معظم أوقاتهم على مواقع التواصل، الذي تزيد حسابات الأردنيين فيها على 6 ملايين حساب”.

وبناء على ذلك؛ يمكن تخيل حجم التدفق الهائل للمعلومات على تلك المواقع من المستخدمين، الذين يكتبون ويتناقلون الكثير من الأخبار والفيديوهات والصور، والتفاعل مع الأحداث والمناسبات والمختلفة.

وشكل حجم تدفق المعلومات الكبير على شبكات التواصل؛ تحدياً للحكومات المتعاقبة، مع ازدياد انتشار الإشاعات والأخبار غير الصحيحة والفيديوهات المفبركة، وهو ما دفع رئيس الوزراء، عمر الرزاز، لإطلاق منصة حكومية تسمى “حقك تعرف”، للرد على الإشاعات في تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي، وهي الفترة التي اطلقت فيها مديرية الأمن العام مبادرة “فتبينوا” للأغراض ذاتها.

ففي آذار (مارس) مثلا؛ تعاملت وحدة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام، مع أكثر من 60 إشاعة تعلقت بجريمة واحدة؛ هزت الرأي العام، وهي جريمة قتل الطفلة نيبال في الزرقاء.

“165 إشاعة”

يقول مدير منصة “حقك تعرف” الحكومية لدحض الإشاعات الزميل هيثم حسان، إنّ “المنصة تعاملت منذ إطلاقها في تشرين الثاني (نوفبمر) الماضي، مع 165 إشاعة”.

وأضاف حسان لـ”الغد”، أنّ لـ”المنصة أولوية في الرد على الإشاعات عبر معايير موضوعة، بينها سرعة انتشارها وعدد الأشخاص الذين تناقلوها”، مشيراً إلى أنّه “تهمل العديد من الإشاعات الصغيرة وغير المنتشرة”.

مصير مجهول

ما يزال قانون معدل لقانون الجرائم الإلكترونية الذي دفعت به الحكومة، يواجه مصيراً مجهولاً بعد أن رده مجلس النواب في شباط (فبراير) الماضي، لخلاف واسع على تعريف “خطاب الكراهية”، فيما يبدي ناشطون خوفهم من أن “يكون هدف القانون، تقييد حرية التعبير على الإنترنت، وليس ضبط الإشاعات والأخبار المزيفة”.

تربية إعلامية

كانت حكومة الرزاز، قررت مؤخراً، إدارج مادة للتربية الإعلامية ضمن مناهج وزارة التربية اعتباراً من العام المقبل، نتيجة لمطالبات عديدة بـ”خلق جيل قادر على التعامل مع الإعلام واستيعاب مفاهيمه”، ولسحب البساط من مواقع التواصل في تصدر مشهد الأخبار والمعلومات وتحديداً المغلوط منها.

“إعادة تقييم حالة الإعلام الأردني”

في هذا السياق، يذهب نقيب الصحفيين الزميل راكان السعايدة، إلى أنّ “فكرة المواطن الصحفي خاطئة، أو كلام حق أريد به باطل، ولا يقوم على وعي”.

وأضاف في تصريح لـ”الغد”، إنّ “محاولة مقاربة ما يسمى بالمواطن الصحفي، مع أداء المؤسسات الإعلامية غير صحيح، ولا يعكس الواقع، لأن المؤسسات الإعلامية تخضع لمعايير وأسس أخلاقية وضوابط مهنية واضحة”.

وهذا الأمر بحسب السعايدة، في حال تدفق المعلومات الهائل خلال الأزمات أو الأحداث؛ “يدفع المؤسسات الإعلامية إلى التدقيق والتأكد والتحري منها قبل إطلاقها، لأنها تحاسب وفق قوانين وتشريعات واضحة، بعكس المواطن العادي الذي ينشر بسرعة ولا يحاسب إذا أخطأ”.

وأوضح السعايدة أنّ “هنالك تشوهات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أنها وصلت في بعض تفاصيلها إلى عامل هدم”، معتبرًا أن ذلك “ساهم بإفقادها المصداقية أمام الناس”.

وتابع “يجب استثمار منصات التواصل بما يضمن الحرية وتبادل ومناقشة المعلومات والأفكار والآراء، حتى لو كانت ذات سقف عالٍ، بدل استثمارها في البحث عن الشعبيات الزائفة والبطولات الوهمية وتصفية الحسابات، ونشر الإشاعات”.

وشدد على “ضرورة المحافظة على قيم الحرية وضمان تدفق المعلومات”، معتبراً أنّ “تنوع المنصات أدى إلى تنوع خيارات التعبير عن الرأي”.

وطالب نقيب الصحفيين “ببناء وعي مجتمعي وثقافة مجتمعية للتعامل مع منصات التواصل”، مؤكداً أنّها “مسؤولية مشتركة على الأسرة والمجتمع والمدرسة والإعلام والجامعة”، داعياً لـ”إعادة تقييم حالة الإعلام، وقراءته بعيداً عن الإحساس بأنه مكبّل، وليس ذلك منوطا بالإعلام الرسمي وحده، بل بوسائل الإعلام المهنية الأخرى”.

“فوضى وإرباك في المشهد الإعلامي”

من جهته؛ يرى أستاذ الإعلام في جامعة اليرموك الدكتور غالب الشطناوي، أنّ “غياب مؤسسات الإعلام الرسمي، عن القيام بدورها الحقيقي، جعل من يسمون أنفسهم (مواطنين صحفيين) يتصدرون المشهد”.

وقال في تصريح لـ”الغد”، إنّه “بالأساس ضد فكرة المواطن الصحفي، التي انتشرت كالسرطان، جراء انتشار التكنولوجيا والهواتف الذكية ومواقع التواصل”، معتبراً أنّ “هؤلاء يعملون بدون مرجعية مهنية وأخلاقية أو مؤسساتية، وأنهم ساهموا بإحداث فوضى في المشهد الإعلامي وإرباكًا لدى المواطنين”.

وبين الشطناوي أنّ “فكرة المواطن الصحفي ابتدعتها قنوات فضائية، إبان انطلاق أحداث الربيع العربي في نهاية 2010 وبداية 2011، والتي منع بعضها من الدخول أول العمل في بلدان عربية، بسبب المواقف السياسية للقناة، ما جعلها تعتمد على مراسلين من مواطنين عاديين”.

وأوضح أنّ “سبل ضبط إيقاع هذا العمل، هو خروج الإعلام الرسمي من قوقعته وإعادة تصدره للمشهد، عبر سرعة تقديم المعلومة للمواطن التي يحتاجها خلال أي أزمة أو حادث كبير، وعدم ترك الساحة لآخرين ربما يقدمون مشهدًا مضللاً ومربكًا”.

“واقع حقيقي”

بدوره؛ يعتقد مدير مركز حماية وحرية الصحفيين نضال منصور، أنّه “يجب التفريق بين الصحفيين والإعلاميين الممارسين، والذين تقع على عاتقهم مهمة تدقيق المعلومات ومتابعتها وفحصها، وبين المواطنين العاديين الذين ينشرون على مواقع التواصل بدون رقابة”.

وقال منصور لـ”الغد”، إنّ “الذي يحدث على منصات التواصل، يمكن النظر إليه من جانبين رئيسين الأول: إيجابي، بحيث يكون أداة رقابة على السلطة، ومصدراً للمعلومات للجهات ذات الشأن، وفي الجانب السلبي، قد يكون مصدراً للمعلومات المشوهة والمجتزأة والصور والفيديوهات المفبركة”.

وبين أنّ “مواقع التواصل واقع حقيقي، ومن لا يعترف بأن العالم تغير يكون واهماً”، منوهاً إلى “سقوط احتكار الحكومات للمعلومات”.

وتساءل منصور “هل التعامل مع ذلك يكون بفرض مزيد من القيود على حرية الإنترنت؟، وهل أنهت التعديلات المماثلة عليها مثلاً الأخبار الكاذبة والمزيفة؟”. ثم أجاب إنّ “ذلك جرب من الحكومات المتعاقبة وفي دول العالم الأخرى، ولم ينتج أي حل”.

ما الحل إذن، يقول منصور “بحضور الدولة بإعلامها بشكل قوي وفاعل وقت الحدث، وأن يكون بمقدورها تقديم رواية صحيحة، وأن تكون مصدراً للمعلومة لا إخفاءها”.

ويضيف “يجب أن يوجد هنالك أشخاص قادرون على الاتصال مع المجتمع في الأحداث المختلفة، وخلق تربية إعلامية تدرس بطريقة خلاقة، وتعلم الناس الاختلاف والتسامح، وتعطي الأفراد القدرة على التمييز بين الأخبار الكاذبة من الصحيحة، وسيادة القانون، لأن ذلك يحول دون خرقه وإخفاء مظاهر التنمر، والظواهر السلبية”.

“رأي عام هش لكنه متابع”

الناشط الشبابي والمؤثر على مواقع التواصل محمد الزواهرة، يرفض “أيّ رقابة على الإنترنت ومصادر المعلومات”، لكنه مع “تنظيمها”، معتبرا في تصريح لـ”الغد”، أنّ “العالم أصبح أكثر افتراضياً، وأن أغلب الناس موجودون على مواقع التواصل، وأنه ليس بمقدور أحد إخفاء شيء في هذا العالم”.

وقال الزواهرة إنّ “المواطن الصحفي، ظاهرة متفشية نتيجة غياب الإعلام الرسمي، لكنها في الدول الغربية غير موجودة كون الحكومات هنالك تسارع في تقديم المعلومات الصحيحة أولاً بأول عند أي طارئ”، معتبراً أنّ “الحكومات في الأردن تترك المواطنين أمام أسئلة كثيرة عند كل حادث أو أزمة تمر، فيصبح هنالك ارتجال من المواطنين”.

وزاد إن “الإشاعة ما تزال موجودة، فيما تغيب الثقافة الإعلامية عن المواطن، بينما الرأي العام في الأردن هش لكنه متابع”، لكنه يتفق مع السعايدة وشطناوي ومنصور، على “أهمية تدريس مادة التربية الإعلامية في المدارس”.

وقال إنّ “هنالك تداخلاً في مصادر المعلومات الرسمية، إلى جانب عدم وجود مرجعية لدى الأردنيين في الرجوع إليها حال الحاجة إلى المعلومات وتحديدًا وقت الأزمات”.

وبين أنّه “غالبا يلمس توجيهاً على السوشال ميديا، وأن هنالك الكثير من بالونات الاختبار التي تظهر لقياس هشاشة الرأي العام”، لافتاً إلى وجود أزمة ثقة بين المواطن والحكومات، مدللاً على ذلك بمنصة “حقك تعرف” الحكومية لدحض الإشاعات التي يتابعها 45 ألف شخص وبين منصة “حقنا تعرف” الشعبية الذي أنشأها ناشطون ويتابعها 88 ألف شخص.

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock