;
تكنولوجيا

سادة التحايل وتزييف الوعي العام

المهندس عامر عليوي* 

يقول الصحفي والروائي البريطاني جورج أورويل: “إننا جميعا لدينا القدرة على تصديق أمور نعلم أنها كاذبة، ثم عندما يثبت خطؤنا في النهاية نقوم بكل وقاحة بليّ الحقائق لكي نبين أننا كنا على حق”.

وتقول دكتورة علم النفس إيلينا توروني: “أننا نصدق ما نريد أن نصدقه، أو نعتقده بما نريده، وفي هذا الزمن بالتحديد فإننا نتأثر لحد كبير بأسبابنا النفسية الخاصة لمحاولة جعل معنى للحالة أو الأمور التي تبدو مقلقة لنا.. وهذا يجعلنا نتجه لتفسير المعلومات بطريقة متحيزة تستند على معتقداتنا ومشاعرنا، وأن دوافع الفرد وعواطفه تشكل الطريقة التي ينظر بها إلى وسائل الإعلام التي يتعاطى معها”.

أدوات الفيسبوك والتويتر وبالرغم مما تقدمه من ايجابيات الا أن البعض أظهر لها وجها آخر قبيحا، حول فيه هذه الوسائل إلى ساحة خلفية لممارسة نوع جديد من الحروب، هي بالأساس حروب أفكار تعمل على اغتصاب العقل وتوجيهه في الاتجاه الذي يروق لصاحب هذا التوجيه، وأصبحت السوشيال ميديا أقوى أسلحة تقويض المجتمعات، وأمن مواطنيها الاجتماعي والنفسي، والتشكيك بالثوابت الوطنية، وسلبياتها لم تعد قابلة للتجاهل كونها أصبحت أداة لتزييف الوعي العام، تسعى لتوجيهه بما يحقق مصالح أطراف خارجية، باستخدام حسابات مجهولة وموجهة من أجهزة مخابراتية، تسعى لبث الإشاعات والأخبار الكاذبة من خلال ما ينشر على صفحاتهم على الفيسبوك والتويتر. لقد أصبحنا نعيش في حالة خداع وإخضاع وتم تحويلنا الى ما يسمى باللغة العربية “مفعول به” يتم التلاعب بنا من قبل فئة مجهولة، لها أهدافها ومآربها لزعزعة أمن واستقرار الدولة الأردنية والتشكيك بمواقفها وثوابتها مستغلين حالة الإدمان التي نعيشها على وسائل التواصل الاجتماعي، ساعيين لهدم أركان الدولة الأساسية والعبث بمكوناتها باسم حرية التعبير ودعوى عدم تكميم الافواه من اجل تدمير المجتمع عن طريق هدم رموز الدولة: (الحكومة، الامن العام، الجيش، المخابرات، القضاء) واحداث فجوة بين الشعب وسلطاته الحاكمة حتى لا تكون هناك دولة، وتدميرها من خلال احداث ما يسمى بـ”فوضى الشارع”، وبدأ يتعالى لدينا الترويج لمقولة: أن المجتمع اصبح كله فاسد ويجب هدمه بأكمله وإعادة بنائه، متناسين بانه اذا ما هدم المجتمع بأيدينا فانه من المستحيل إعادة بنائه والشواهد على ذلك من حولنا كثيرة، الامر الذي أدى الى تقليل الانتماء للوطن وتحويل المواطن الى ساخط وناقم على بلده وتعالت عبارة “هاجر يا قتيبة” وأصيب المواطنون بالإحباط والملل وفقدان الامل والرغبة في كل شيء.

هناك فئة اطلقت على نفسها “حماة الوطن الفيسبوكيين” تعمل بلا كلل ولا ملل من اجل احداث هندسة اجتماعية لمجتمعنا، تسعى من خلالها لهدم الوطن بكل اركانه، وتشكك بثوابته ومواقفه الوطنية والعربية والإسلامية مستخدمين فى تحقيق هدفهم منصات وسائل التواصل الاجتماعي لبث الأخبار الملفقة أو المجتزئة لها أهداف معينة تستغل الدين والمذهب وغيره، وأصبح الكثيرون من أبناء وطني وطالت المثقفين منهم يتبادلون هذه الأخبار الملفقة والأفكار الغريبة دون كامل إدراك بما يفعلون، وذلك بهدف إفقادنا الثقة بقيادتنا والتشكيك بمواقفها الثابته والواضحة والصريحة في مواجهة المؤامرات التي تحاك ضد هذا الوطن المرابط والمدافع عن الامة وقضيتها الأولى القدس مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام، واولى القبلتين وثالث الحرمين الشرفين، ومن هنا أصبح التساؤل الذي يبحث عن إجابة مقنعة هو: من يوجه من؟ هل السوشيال ميديا هي التي توجه الرأي العام أم أن الرأي العام هو من يوجه السوشيال ميديا؟ وأصبح السؤال المنطقي هو: من يضع أجندة من؟ وعليه لا بد لنا من ان نجلس مع أنفسنا في محاولة لتحديد المصدر الرئيسي لأفكارنا ومعلوماتنا وقناعاتنا، وبعدها نجيب عن التالي:

ما الذي يضمن اننا لم نتعرض الى خديعة، بل خدع كثيرة؟

من منا لا يشعر بأن تصفحه لشبكات التواصل الاجتماعي يقوم بتغيير مزاجه والتلاعب بأحاسيسه؟

ما الذي يمنع ان تكون سلوكياتنا وردود افعالنا في مجالات متعددة لا شعوريا هي بناء على ما ينقل لنا يوميا عبر رسائل الواتس او بناء على ما ينشر او يتم إعادة نشره على صفحات الفيس بوك والتويتر وغيرها، صيغ اكثرها بعناية فائقة بمكان ما لتحقيق اهداف لفئة ما؟!!!

واختم بمقولة ألبرت أينشتاين: أخشى من ذلك اليوم الذي تسلب فيه التكنولوجيا إنسانيتنا منا، حينها سيكون العالم قد مُلئ بالأغبياء.. لقد أصاب أينشتاين بوصفه هذا، الذي ينطبق على كثير من الناس في زماننا الذي نعيش، فالبعض فقد إنسانيته وقدرته على التمييز بين الحق والباطل، والإشاعة من الحقيقة، وأخذ يدمن الطبع والقص واللصق، ولم يعد يستفيد مما ينقله، فلا هو يعبر عن رأيه، ولا هو الذي اعتبر من رأي غيره.

*جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock