اقتصادتحليل إقتصادي

سباق عالمي للوصول إلى الهيدروجين النظيف

تايس فان دي غراف*

إذا كانت تسعينيات القرن الماضي هي عقد الرياح، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو عقد الطاقة الشمسية، والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو عقد البطاريات، فإن العقد الحالي يمكن أن يدفعنا إلى مرحلة أخرى في تحول الطاقة، هي مرحلة الهيدروجين.

فقلما يمر أسبوع دون ظهور مشروع جديد ضخم أو طفرة في مجال الهيدروجين. ففي السنوات الخمس الماضية وحدها، وضع أكثر من 30 بلدا استراتيجيات وطنية للهيدروجين، أو بدأ في إعدادها. وكانت أهداف اتفاق باريس المتعلقة بالمناخ محركا رئيسيا في هذا الصدد، غير أن الحرب الروسية في أوكرانيا والارتفاع الحاد في أسعار الغاز قادا بدورهما تحولا إلى أنواع الوقود الأكثر خضرة. وتشكل كذلك التنمية الاقتصادية والسياسات الصناعية عاملا مهما أيضا.

ومن شأن الهيدروجين النظيف إحداث تحول بالغ في البيئة الجغرافية-السياسية للطاقة كما نعرفها اليوم. فقد تنشأ جغرافيات جديدة للتجارة تتمحور حول الهيدروجين النظيف ومشتقاته، مثل الأمونيا. وقد تصبح البلدان التي تنعم بوفرة الشمس والرياح من كبار مصدري الوقود الأخضر أو من مواقع التصنيع الأخضر. ويمكن أن تتزايد المنافسة الصناعية في ظل طموح البلدان لقيادة التكنولوجيا في قطاعات مهمة من سلسلة القيمة للهيدروجين. وبوجه عام، يمكن لتوسيع نطاق الهيدروجين النظيف أن يعزز المنافسة الجغرافية الاقتصادية القوية، وأن يشجع وجود تحالفات وأوجه تعاون جديدة، ويشكل نقاط قوة جديدة في مراكز إنتاج واستخدام الهيدروجين المستقبلية.
وعد الهيدروجين
بالرغم من أن الهيدروجين هو أصغر جزيء في الكون، فإنه يتمتع بإمكانات هائلة بوصفه وقودا نظيفا يمكن استخدامه في إحداث تحول الطاقة العالمي. فهو غاز قابل للحرق داخل المحركات، كما يمكن استخدامه في خلية وقود لتشغيل المركبات، أو إنتاج الكهرباء، أو توليد الحرارة. ويمكن أن يكون مادة خام أولية ووحدة أساسية في المنتجات الكيميائية الأخرى، مثل الأمونيا (وهي مدخل رئيسي في الأسمدة) والميثانول (الذي يستخدم في إنتاج البلاستيك). كذلك فإن الهيدروجين ومشتقاته يمكن تخزينهما إلى ما لا نهاية في صهاريج وقباب ملحية، وهو ما يعني أنهما ربما يكونان من الحلول المهمة لتخزين الطاقة على المدى الطويل.

ومن الأمور المهمة أن الهيدروجين يمكن أن يحل محل الوقود الأحفوري في جميع هذه الأغراض دون أن يتسبب في انبعاث ثاني أكسيد الكربون؛ فهو ناقل للطاقة خال من الكربون، مثل الكهرباء، لكنه يتفوق عليها فيما يتعلق بإزالة الكربون عن القطاعات التي يصعب إمدادها بالكهرباء، كالصناعات الثقيلة، أو النقل لمسافات طويلة، أو التخزين الموسمي. وتتوقع معظم سيناريوهات إزالة الكربون أن يكون للهيدروجين دور مهم في تحقيق الانبعاثات الصفرية الصافية بحلول منتصف القرن. فالوكالة الدولية للطاقة والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، على سبيل المثال، تتوقعان أن يلبي الهيدروجين من 12 % إلى 13 % من الطلب النهائي على الطاقة بحلول 2050، صعودا من صفر تقريبا في الوقت الحالي.

والهيدروجين صناعة كبرى بالفعل، إلا أن سوق الهيدروجين تتسم في الوقت الراهن بثلاث خصائص توشك أن تشهد تحولا جذريا: أن الهيدروجين ما يزال يُصنع في معظمه من الوقود الأحفوري غير المعالج لخفض الانبعاثات، وأن استخدامه يكاد يكون محصورا في كونه مادة خاما في العديد من الصناعات، وأنه غالبا ما يُنتج ويُستخدم في الموقع نفسه. ويجب إجراء تجديد شامل لكل من هذه الخطوات في سلسلة القيمة لكي يحقق الهيدروجين إمكاناته الكاملة باعتباره القطعة المفقودة في لغز الطاقة النظيفة. ويجب أن يتحول إنتاجه إلى استخدام مصادر أنظف وأن يتوسع استهلاكه إلى قطاعات جديدة – إذ من الممكن أن يصبح الهيدروجين ومشتقاته سلع طاقة متداولة على المستوى الدولي.

معارك الهيدروجين

غير أن مسار نمو الهيدروجين النظيف يظل مثار جدل. فقد ظهر على السطح خلافان أساسيان: كيف يتم إنتاج الهيدروجين، وفي أي القطاعات يمكن استخدامه.

فيما يتعلق بالإنتاج، يتمثل المساران الرئيسيان نحو الهيدروجين النظيف في الهيدروجين “الأخضر” المنتج من الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، والهيدروجين “الأزرق” المنتج من الغاز الطبيعي المجهز بتكنولوجيات احتجاز الكربون. وفي فترة ما، كان الهيدروجين الأخضر ضعفي أو ثلاثة أضعاف سعر الهيدروجين الأزرق، وكان ذلك قبل أزمة أسعار الغاز الحالية. علاوة على ذلك، يحقق الهيدروجين الأخضر الخفض الأكبر في التكلفة. ويتنبأ عدد متزايد من التوقعات حاليا بأن يصبح الهيدروجين الأخضر أقل سعرا من كل من الهيدروجين الأزرق والرمادي (المنتج من الوقود الأحفوري غير المعالج لخفض الانبعاثات) قبل نهاية العقد.

ويثير كلا المسارين جدلا شديدا؛ فإنتاج الهيدروجين الأخضر من شأنه حرمان الاستخدامات النهائية الأخرى من الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، وهو ما يثير الجدل بشأن ما إذا كان ينبغي تطبيق معيار “الإضافية” – أي عدم اعتبار أن الهيدروجين أخضر إلا إذا تم إنتاجه من الطاقة المتجددة التي لا يتم إنتاجها أو استخدامها لأغراض أخرى. ويمكن أن يؤدي إنتاج الهيدروجين الأخضر أيضا إلى تفاقم الضغوط المائية في بعض المناطق. وفي النهاية، عادة ما تكون الأماكن الأكثر تعرضا لأشعة الشمس هي أيضا الأكثر جفافا. والهيدروجين الأزرق، من جانبه، يثير المخاوف بشأن احتمالات تسرب الميثان، وعدم كفاية احتجاز ثاني أكسيد الكربون، وتقييد البنية التحتية للغاز الأحفوري. أما مسارات الإنتاج الأخرى، كالتي تعتمد على مصادر نووية أو على الكتلة الحيوية، فهي مثيرة للجدل بنفس القدر.

ومن حيث الاستهلاك، يحتدم جدل مماثل. فاستخدام الهيدروجين في تحقيق تحول الطاقة يُشَبَّه أحيانا باستخدام المطواة متعددة الأغراض من نوع “swiss army knife” التي تستطيع استخدامها في كل شيء تقريبا، رغم أنها قد لا تكون دائما أفضل أداة لإنجاز المهمة المطلوبة. وغالبا ما يكون استخدام الهيدروجين مسارا أقل كفاءة في استهلاك الطاقة مقارنة بالتحول إلى استخدام الطاقة الكهربائية المباشرة. فعلى سبيل المثال، كي تقود نفس المسافة بسيارة تعمل بالهيدروجين، فإنك تحتاج إلى مزارع رياح بحجم يفوق من مرتين إلى ثلاث مرات ما تحتاجه لقيادة سيارة كهربائية (Transport & Environment 2020). غير أن هناك قطاعات معينة يصعب تخفيف انبعاثاتها، مثل الصلب والشحن والطيران، ستحتاج إلى الهيدروجين أو مشتقاته – وهو أمر ليس محل جدل؛ فهي قطاعات لا تملك خيارا آخر. غير أن الاستخدام العشوائي للهيدروجين يمكن أن يبطئ من تحول الطاقة.

قيادة التكنولوجيا

تزايد الدعم المقدم للهيدروجين النظيف على مستوى السياسات في السنوات الأخيرة، لا سيما في ظل الإنفاق على التعافي في أعقاب كوفيد- 19 والغزو الروسي لأوكرانيا. وتقوم الشركات التي يتركز اهتمامها على الهيدروجين النظيف بتعبئة المزيد من الأموال أكثر من أي وقت مضى، حيث تبلغ الاستثمارات السنوية في الهيدروجين النظيف حاليا نصف مليار دولار في السنة، وفقا للوكالة الدولية للطاقة. وتتسابق البلدان نحو السيطرة على الصناعة الدولية التي ينتظر أن يبلغ قوامها عدة مليارات من الدولارات في غضون عقد أو اثنين.

وتؤثر هذه الحسابات الجغرافي الاقتصادي بالفعل على السياسات المتعلقة بالهيدروجين. ففي أوروبا على سبيل المثال، هناك مخاوف من أن تنجح الصين في الهيمنة على صناعة الهيدروجين، مثلما تهيمن على الخلايا الشمسية الكهروضوئية، وإنتاج البطاريات، واستخراج المعادن الأرضية النادرة. ومن ثم فإن الكثير من استراتيجيات الهيدروجين الوطنية هي أداة للسياسة الصناعية أكثر من كونها أداة لإزالة الكربون. ولدى البلدان مصلحة استراتيجية في أن تصبح صانعة للتكنولوجيا، لا متلقية لها، في هذه المجالات التي تشكل أهمية بالغة في قطاع تحول الطاقة.

وربما تمثل المحللات الكهربائية اللازمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر الجائزة الكبرى في سلسلة قيمة الهيدروجين. وعلى غرار الخلايا الشمسية الكهروضوئية، تعد المحللات الكهربائية تكنولوجيا نموذجية تمر بمنحنى تعلم حاد. والمحللات الكهربائية قد تكون اليوم في المرحلة التي مرت بها تكنولوجيا الخلايا الشمسية الكهروضوئية منذ 15 عاما، أي على أعتاب الانتقال من منتج متخصص إلى منتج عام. وعلى الرغم من أن هذه الصناعة الناشئة لا تزال في مرحلة التطوير، فإن المحللات الكهربائية المصنوعة في الصين أقل سعرا بنسبة 75 % من تلك التي يتم تصنيعها في الغرب، وفقا لمؤسسة Bloomberg New Energy Finance.

وتدعم بلدان ومناطق عديدة اتخاذ تدابير لصالح الهيدروجين النظيف، إلا أن الولايات المتحدة حازت قصب السبق مؤخرا بتمرير قانون خفض التضخم. فالخصومات الضريبية السخية التي يقدمها القانون (3 دولارات/كجم) ستجعل من الهيدروجين المنتج من مصادر متجددة بالولايات المتحدة أرخص أشكال الهيدروجين في العالم. وربما كان للقانون الأمريكي تأثير على قرار البرلمان الأوروبي الصادر في سبتمبر بتيسير قواعد “الإضافية” فيما يخص الهيدروجين الأخضر وسط تحذيرات من القطاع بنزوح جماعي للصناعة إلى الولايات المتحدة.

حلم التصدير

يمكن أن يكون الهيدروجين ومشتقاته إيذانا ببدء إعادة تشكيل العلاقات التجارية في مجال الطاقة. وتستعد بعض المناطق، ولا سيما في أوروبا وشمال شرق آسيا، لتصبح مستورِّدا رئيسيا للهيدروجين، وتطمح مناطق أخرى إلى أن تصبح مُصدِّرا رئيسيا أو حتى قوى كبرى في مجال الطاقة المتجددة، كما في حالة أستراليا.

فالبلدان المصدرة للوقود الأحفوري، مثل أستراليا وبعض بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تمتلك عدة مميزات، حيث يمكنها الاستفادة من علاقاتها التجارية في مجال الطاقة وعمالتها الماهرة وبنيتها التحتية القوية لتصبح مصدرة للهيدروجين النظيف. وهي وسيلة جذابة لتنويع اقتصاداتها مع الاحتفاظ بأدوارها بوصفها مصدرة للطاقة.

غير أنه ينبغي علينا ألا نعتقد أن عوائد الهيدروجين ستحل محل عوائد الوقود الأحفوري أو أن الهيدروجين سيمنح تلك البلدان نفس المميزات الجغرافية-السياسية. فعلى عكس النفط والغاز، يعد الهيدروجين منتجا مُصنَّعا؛ ويمكن تصنيعه متى توافرت الكهرباء والماء. وحتى في حالة إنتاجه من الغاز الطبيعي، يظل من أنشطة التحويل لا أنشطة الاستخراج. وهكذا فالهيدروجين ليس نسخة من النفط خالية من الكربون.

ومن الممكن أن يكون الهيدروجين أشبه بعامل تغيير جذري للبيئة الجغرافية-السياسية للبلدان التي تعتمد حاليا على واردات الوقود الأحفوري لكنها تملك إمكانات وفيرة من مصادر الطاقة المتجددة – مثل شيلي والمغرب وناميبيا. ويعكف تحالف من الشركات الألمانية على إنشاء مشروع للهيدروجين الأخضر في ناميبيا بقيمة 9,4 مليار دولار، وهو ما يعادل إجمالي الناتج المحلي للبلد تقريبا. وجذبت مصر، البلد المضيف لقمة التغير المناخي COP27 (الدورة السابعة والعشرون من مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ)، تعهدات استثمارية تتجاوز 40 مليار دولار خلال العام الحالي لصالح مشروعات الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء. ولا تملك أي من القارات ما تملكه إفريقيا من إمكانات فنية لإنتاج هيدروجين أخضر رخيص.

حوكمة الهيدروجين

هناك عقبات كثيرة يتعين التغلب عليها لتوسيع نطاق الهيدروجين النظيف، وهذه العقبات تتطلب حوكمة عالمية. وسألقي الضوء على ثلاث منها فقط.

أولا، يتعين تحقيق خفض إضافي في التكاليف وزيادة الإنتاج. ويمكن للحكومات الحد من مخاطر الاستثمار في إمدادات الهيدروجين النظيف من خلال خلق طلب مستمر في القطاعات التي يصعب تخفيف انبعاثاتها من خلال أدوات السياسات، مثل المشتريات العامة، و”عقود فروق أسعار” الكربون.

وثانيا، هناك حاجة إلى وضع معايير، وشهادات، وإجراءات متابعة منسقة من أجل ضمان السلامة وقابلية التشغيل البيني والاستدامة في جميع أجزاء سلسلة قيمة الهيدروجين النظيف. وينبغي ألا ينصب تركيز هذه المعايير على منع تسرب الهيدروجين أو خفض الانبعاثات فحسب، بل على مجالات أخرى أيضا، مثل التأثير على الأمن المائي.

وثالثا، ينبغي أن تحصل الاقتصادات النامية على مساعدات مالية وفنية حتى يتسنى لها الاستفادة من طفرة الهيدروجين الأخضر. ويتمثل أحد المخاطر في أن الاقتصادات النامية التي مُنحت وفرة في الرياح والطاقة الشمسية يُنظر إليها باعتبارها موردا لجزيئات الطاقة الخضراء لخدمة مراكز الطلب الصناعي في شمال العالم، بدلا من النظر إليها باعتبارها مواقع محتملة للتصنيع الأخضر في حد ذاتها.

ولطالما تم الترويج للهيدروجين باعتباره وقود المستقبل. وفي هذا العقد، يمكنه أخيرا أن يصبح وقود الحاضر. ولا تزال هناك تحديات جسيمة يتعين مواجهتها. وإذا ما تم ذلك بنجاح، ستتكشف عن ثورة الهيدروجين النظيف ثلاث جوائز: المزيد من الاستقرار المناخي، وأمن الطاقة، والمساواة العالمية.

أستاذ مساعد في جامعة غنت في بلجيكا.

زر الذهاب إلى الأعلى

السوق مغلق المؤشر 2686.76 0.26%

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock