ترجمات

سبعة مفاتيح لفهم الانتخابات التونسية

وليام لورانس* – (معهد الشرق الأوسط) 29/8/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يشهد يوم 15 أيلول (سبتمبر) قيام تونس بإجراء انتخابات رئاسية تم تقديم موعدها شهرين بعد الوفاة غير المتوقعة للرئيس التونسي الأبوي، بيجي قائد السبسي. وكانت الكثير من التحليلات الانتخابية التي ظهرت حتى الآن معيبة، في بعض الأحيان بسبب استخدام مرشِّحات تحليلية غربية أو شرق أوسطية أو أيديولوجية أو أمنية منفصلة كثيراً عن الواقع التونسي. وفيما يلي سبعة مفاتيح لفهم الانتخابات الحالية، والتي تعالج سوء التشخيص والتشويه والافتقار إلى الفهم الأساسي.
أولاً، تبدو هذه الانتخابات تنافسية جداً مسبقاً، ولا يمكن التنبؤ بنتائجها، والتي تفتح آفاقاً واحتمالات جديدة غير قليلة. وعلى الرغم من الكثير من التحليل الذي خلُص إلى العكس، فإن التونسيين يدركون تماماً أهمية هذه الانتخابات. وسوف تكون هذه ثاني انتخابات رئاسية ديمقراطية إلى حد كبير، والتي تجري في أي بلد عربي، بعد الانتخابات التاريخية الأولى التي أجريت في تونس في العام 2014. وتشهد هذه الانتخابات واحدة من أولى المناظرات الرئاسية المتلفزة في العالم العربي، في تظاهرة سياسية مشهدية رائعة لمدة ثلاث ليال تقررت إقامتها بعد فترة وجيزة من بدء الحملة التي افتتحت رسمياً في 2 أيلول (سبتمبر). وعلى عكس الانتخابات التمهيدية الأميركية، سوف يضمن النقاش لكل من المرشحين الـ26 الذين تمت الموافقة على ترشيحهم حتى كتابة هذه السطور، وقتاً متساوياً لعرض رؤاهم. والأهم من ذلك، أن هذه الانتخابات شهدت زيادة بنسبة 32 % في تسجيل الناخبين منذ الانتخابات البلدية للعام 2018، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الجهود الهائلة التي بُذلت لتسجيل الناخبين، بمساعدة أميركية.
ثانياً، هذه هي الانتخابات الأولى التي تعقب انتقال تونس الذي يتمتع بالمصادقة، والذي اكتسب الطابع الرسمي في “ميثاق قرطاج” للعام 2016، الذي حمى هذا الانتقال من القوى المعاكسة القوية التي شنت هجمات إرهابية ارتكبها في معظمها متطرفون تونسيون مدربون ومتمركزون في ليبيا؛ ووجود درجة مثيرة للقلق من الجمود السياسي؛ وأزمة اقتصادية سيئة للغاية لدرجة أنها أنجبت فكرة “السياحة التضامنية” من الجزائر المجاورة، فقط للمساعدة في الإبقاء على الاقتصاد واقفاً على قدميه. وقد تخطت تونس تلك العواصف الخطيرة، جزئياً بسبب اتفاق تم التوصل إليه في العام 2013 بين الرئيس السبسي وزعيم حزب النهضة رشيد الغنوشي. وتمكن “الشيخان” وتشكيلاتهما السياسية المهيمنة الودودة من إنقاذ الديمقراطية التونسية، فيما تحقق في جزء منه عن طريق إبقاء أنصار الأطراف الأخرى خارج السجن. وسادت في البلد سياسة براغماتية توافقية. لكن ميثاق قرطاج حُلَّ قبل عام، وسوف يتعين الآن خروج ائتلاف حاكم جديد من هذه الانتخابات للإبقاء على الانتقال ماضياً في مساره الصحيح.
ثالثاً، يتم تصوير الانتخابات على نطاق واسع بأنها منافسة تجري بين اليسار واليمين، أو بين العلمانيين والإسلاميين، أو بين مستقبل متخيل وماض ديكتاتوري أو مُمجَّد. وهذه كلها تصويرات خاطئة. ولعل أبسط طريقة لتصور التصويت التونسي هي تقسيم الأصوات (وبالتالي، الناخبين) إلى خمسة معسكرات: بورقيبي؛ وإسلامي؛ وديمقراطي ليبرالي؛ واشتراكي ديمقراطي؛ وشعبوي. ولا تقع أي من هذه المجموعات الخمس الرئيسية بسهولة في الثنائيات التحليلية المستخدمة أعلاه، وكلها تنطوي على درجة ما من التهاجن في جميع الثنائيات والفئات. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون البورقيبيون محافظين في بعض الجوانب، وفي جوانب أخرى تقدميين جداً من الناحية الاجتماعية؛ وقد تتماشى المجموعة الديمقراطية الليبرالية التقدمية نسبياً مع الإسلاميين في المسائل الاقتصادية أو العملية الديمقراطية، ولكنها تختلف معهم في القضايا الاجتماعية؛ ولدى الإسلاميين، و”الديمقراطيين المسلمين” بالمسمى الجديد، مجموعة واسعة من الآراء كحزب مظلة كبير، بما في ذلك القضايا الاجتماعية وحقوق المرأة؛ ويمكن للديمقراطيين الاشتراكيين أن يكونوا محافظين بشكل ملحوظ حول عدد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ والشعبيون يتواجدون، عن قصد، في جميع أنحاء الخريطة. وعادةً ما يسعى هؤلاء الشعوبيون، الذين تصدروا الاستطلاعات خلال شهر تموز (يوليو)، مثل أولئك الموجودين في أماكن أخرى، إلى الاستشهاد بالاضطراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي في محاولتهم اكتساب القوة وتعظيمها وتعزيز وضعهم الشخصي الراهن. وقد خاضت هذه المعسكرات الخمسة نفسها انتخابات 2011 و2014، ولجميع المعسكرات الخمسة جذور تعود إلى الثمانينيات على الأقل. وفي الحقيقة، لم تتطور جوانب المناقشات، خاصة الاقتصادية منها، كثيراً منذ أواخر الثمانينيات، عندما تسبب انقلاب بن علي وما تلاه من قمع في تجميد العديد من جوانب السياسة.
رابعاً، هناك ألعاب نارية تُثار حول العديد من القضايا الخلافية التي تهيمن على عناوين وسائل الإعلام ووسائل الإعلام الاجتماعية، والتي تستحق المشاهدة حقاً، لكن هذه القضايا في نهاية المطاف ليست ذات أهمية كبيرة لنجاح تونس على المدى الطويل. أولاً، المرشح الأبرز في آخر الاستطلاعات القانونية، نبيل القروي، هو سياسي شعبوي يُنظر إليه على أنه فاسد، ولكنه مستهدف أيضاً من قبل الحكومة التي في السلطة، وهو ما قد يساعده في الانتخابات؛ وكان نزيل السجن منذ 23 آب (أغسطس)، حين تم اعتقاله بتهمة التهرب الضريبي وغسل الأموال. ثانياً، هناك مرشح معروف آخر، هو الهارب من العدالة، سليم الرياحي، الذي أدين بالفساد والاحتيال بالشيكات، والذي كان يظهر من خلال صور ثلاثية الأبعاد تُبث من الخارج في الأحداث السياسية. ثالثاً، يخوض حزب النهضة، أكبر حزب في البلد، الانتخابات الرئاسية لأول مرة، وهو أمر كان قد تجنبه في السابق حتى لا يهيمن على العديد من فروع للحكومة. والأهم من ذلك -والذي تم تفويته في معظم التحليلات- هو أن الحزب اتخذ هذا القرار لتجنب نتيجة على الغرار الجزائري أو المصري في أعقاب انتصار انتخابي إسلامي أدى إلى انقلاب مناهض للديمقراطية. ومن المرجح أن يثير طرح حزب النهضة مرشحاً رئاسياً ردة فعل ارتدادية قوية في الجولتين الأولى والثانية. رابعاً، دارت نقاشات كبيرة حول تجريم المثلية الجنسية وتخويل منح إرث متساوٍ للمرأة -وهي مناظرات مهمة بالتأكيد، لكنها نقاشات تصرف الانتباه عن قضايا الإصلاح الهيكلي العميقة التي تجب مخاطبتها والتي يمكن أن تفضي، إذا لم تتم معالجتها، إلى إخراج التجربة الديمقراطية التونسية عن سكّتها.
خامساً، يبحث جميع الناخبين التونسيين تقريباً، على الرغم من توجهاتهم المختلفة، عن أشياء متماثلة، بالتحديد الأمن، والتحسن الاقتصادي، وقائد يتولى الدفاع عن قيمهم الاجتماعية. وعلى عكس الكثير من التحليلات، لا يشعر الناخبون التونسيون بالارتباك بشأن الانتخابات أو المرشحين، ولا يشعرون بالاحباط من حقيقة أن الانتخابات الرئاسية التي أعيد تحديد موعدها ستسبق عقد الانتخابات البرلمانية. كما أنهم “لا يشعرون بخيبة أمل من الحكومة” بشكل عام، أو يرفضون المؤسسات الحكومية، كما يتم التأكيد غالباً. إن ما يصيبهم بخيبة الأمل هو أكثر أو كل السياسيين، ومعظم أو كل المرشحين، ومعظم أو كل الأحزاب السياسية. وهذه الخيبة تجعل الكثيرين منهم مناهضين للمؤسسة. وما يزال التونسيون يرفضون الجوانب الرئيسية الرئيسية للنظام السياسي والاقتصادي، وإنما ليس أكثر مما فعلوا في السابق، وبالتأكيد ليس أكثر مما فعلوا في الأعوام 2011 أو 2013 أو 2008 أو 1983-1984. إن الاحتجاج لا يتزايد بشكل كبير. لكن ما يتزايد فعلاً، كما هو متوقع، هو الرفض للعناصر السياسية الحالية. ونتيجة لذلك، لن يشارك بعض التونسيين في التصويت. وسيصوت البعض لمرشحين شعبويين معارضين للمؤسسة. وسوف يصوت عدد أكبر للمرشحين الخارجين من المؤسسة، والذين يعتقد الناخبون أنهم يحمونهم من المرشحين الآخرين الذين يخرجون هم أيضاً من المؤسسة، سواء كانوا يركزون على الحفاظ على حقوق المرأة أو محاربة الفساد أو قضايا أخرى.
سادساً، يتمثل أحد الجوانب الرئيسية لهذه الانتخابات في مشاهدة ما يحدث للـ”المسؤولين السابقين. الآن، يوجد في تونس 4 رؤساء دول أو حكومة أو برلمان سابقين في هذه الانتخابات، بالإضافة إلى 11 وزيراً سابقاً. وسوف يحقق واحد أو اثنين على الأقل من مرشحي “المؤسسة” هؤلاء أداءً جيداً حتى لو أن مرشحاً شعبوياً لا يمتلك خبرة حكومية أبلى حسناً. والمرشحون البارزون، الذين يخرجون -أكثر أو أقل- من المجموعات الخمس المذكورة أعلاه، هم: المرشح الأبرز ووزير الدفاع السابق عبد الكريم زبيدي -الذي يسعى البورقيبيون إلى تعيينه خلفاً للسبسي؛ والقائم بأعمال رئيس البرلمان والإسلامي السابق، عبد الفتاح مورو؛ ورئيس الوزراء يوسف الشاهد، الذي انفصل عن البورقيبيين وانضم إلى المعسكر الليبرالي؛ والوزير السابق والناشط محمد عبو؛ والشعبوي المسجون نبيل القروي. والنتيجة الأكثر ترجيحاً هي أن واحداً أو اثنين من هؤلاء الخمسة سيفوز بأغلبية الأصوات، إلى جانب واحد آخر من هذه القائمة، أو مرشح آخر يعكس روح العصر المعادية للمؤسسة. ولعل الأهم من ذلك، هو أن 10 من المرشحين الست والعشرين المعتمدين قد خدموا بالفعل الحزبين الرئيسيين صاحبي الاحتكار الثنائي. وهناك مجموعة لها صلات بحزب “نداء تونس” مكونة من ستة مرشحين للرئاسة، ومجموعة مرتبطة بـ”النهضة” تضم أربعة مرشحين. وإذا خرج أي من هؤلاء المرشحين منتصراً، وهو أمر مرجح، فإن التصويت لا يكون قد مثل، كما توقع البعض، رفضاً للمؤسسة السياسية بأكملها.
سابعاً، ركزت الكثير من التحليلات على الطرق التي يكون بها المرشحون المستقلون غير المنتمين إلى الأحزاب “أكثر ديمقراطية” أو “أفضل من أجل الديمقراطية”، أو أنهم سيساعدون في حل مشكلة السياسة التونسية التي “تدفعها الشخصية أكثر من اللازم”. لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة من هذا. فغالباً ما يعمل المرشحون المستقلون على شخصياتهم أكثر من أولئك المرتبطين بالأحزاب -والأهم من ذلك هو أنهم غالباً ما يكونون خاضعين لنفس قوى الفساد ويرتبطون بشبكات الحرس القديم الغامضة، مثلهم مثل أولئك من ذوي الانتماءات الحزبية. كيف سيعمل التونسيون على بناء الأمن وتحسين الاقتصاد وتسريع الانتقال السياسي؟ بالتأكيد ليس بانتهاج سياسات تصبح أكثر تقسيماً وتشتيتاً وافتقاراً إلى التنظيم باطراد، والتي يسيطر عليها المستقلون. بدلاً من ذلك، يمكنهم أن ينجحوا بشكل أفضل مع السياسيين المنظمين، النظيفين وغير الشعبويين الذين يستجيبون لمخاوف الناخبين ويعالجون المشكلات الملحة. وهناك الآن أكثر من 90 مشروع قانون في البرلمان تحتاج إلى تحرك أسرع للبت فيها، إلى جانب الحاجة إلى إجراء تحسينات أمنية كبيرة وخلق تحفيز اقتصادي ذي معنى. وسيكون التونسيون أكثر أماناً وديمقراطية وازدهاراً إذا ارتقت قواهم السياسية المنظمة إلى مستوى التحدي.

*أستاذ زائر بجامعة جورج واشنطن،
ومدير سابق لبرنامج شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، ورئيس الجمعية التونسية-الأميركية.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
Seven keys to understanding the Tunisian election

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock