أفكار ومواقف

ست أولويات داخلية للمراجعة

 


أطلق الملك منتصف هذا الأسبوع عنوانا عريضا للمراجعة الشاملة، بعد عشر سنوات على توليه مقاليد الحكم في مرحلة من أكثر مراحل تاريخ البلاد تعقيدا وحساسية بمنظور الجغرافيا السياسية وما حملته من كثافة في مصادر التهديد والفوضى الإقليمية.


من الواضح أن الملك قصد ان لا يدخل في التفاصيل ولا حتى في العناوين الفرعية، ومن الواضح ان في ذلك إشارة إلى دعوة ضمنية لحوار وطني مكثف حول مبادئ هذه المراجعة وأولياتها. فالقيمة الحقيقة لهذا الإعلان الملكي تبدو في توفر إرادة سياسية عليا للمراجعة الشاملة بالاستفادة من نقاط القوة والضعف والفرص المتاحة كما تبدو في تجربة العقد الماضي.


المراجعة الإستراتجية تعنى في ابسط مفاهيمها معرفة مدى مسايرة عمليات التطبيق لما تم تصوره في مرحلة الصياغة من خلال التعرف بشكل علمي وعملي وبشكل موضوعي ومعياري على الانجازات ومصادرها وعلى الانحرافات ومصادرها.


المراجعة الشاملة هي وسيلة، وليست هدفا بحد ذاته، أي أداة للوصول إلى نتائج تساعد في اتخاذ إجراءات  حازمة ومنظمة نحو العودة إلى  الصياغة الأولى وتصحيح الانحرافات التي وقعت أثناء التطبيق، أو وضع صياغة جديدة لمرحلة جديدة، والخياران لكل منهما مبرراته ولهما فرص حقيقية في مسار الرهان على المستقبل، بيد ان الخيار الآخر الذي يعني الاستمرار في الوضع الراهن أي إدارة الأوضاع القائمة تزداد مخاطره يوما بعد يوم.


هناك شعور عميق لدى القواعد الاجتماعية الأردنية العريضة يزداد حضوره بشكل واضح بضرورة التغيير ويترسخ على شكل وعي لدى بعض الفئات في هذا الوقت، على الرغم من ان أطروحة الدعوة إلى التغيير في خطاب الدولة خلال العقد الماضي كانت الأكثر بروزا، ولكنها لم توضع  موضع التطبيق في العديد من المواقع. ولعل بعض التفسير لهذه النتيجة وليس كله يتمثل في حجم التحديات في البيئة الخارجية، ففي الوقت الذي كان فيه مسار التغيير بطيئا وغير واضح الملامح أنجزت الدولة مهمتها في التكيف الايجابي مع الظروف الإقليمية الصعبة وحولت بعضها إلى نقاط قوة.


يبدو أول المبادئ الأساسية للمراجعة القادمة في توفر إرادة لتطوير أدوات وطنية مستقلة لتقييم العمل العام، فالأدوات الراهنة أثبتت بالتجربة أنها لا تصلح للرهان عليها في مختلف المستويات وفي كل القضايا.


المبدأ الثاني، إرادة  لتحويل ملفات الإصلاح والتنمية إلى ملفات داخلية والكف عن الاتهامية والمبالغة ولا يتم ذلك إلا بتأصيل هذه الملفات وتوطينها.


المبدأ الثالث، إرادة لبناء السياسة الخارجية انطلاقا من الداخل ومن الحاجات والأولويات الأردنية المحلية التي تؤمن بأن الوطن الأردني وطن منجز ونهائي وليس وطنا في حالة انتظار تحددها أمزجة السياسة الدولية، وهذا المبدأ يحتاج إلى ربط وعي الناس بآليات بناء الأجندة  الخارجية وكيف يتشكل مفهوم المصلحة في السياسية الخارجية.


أما المبدأ الرابع فهو ضرورة التمييز الواضح بين البعد الاقتصادي والبعد التنموي في التخطيط والتنفيذ وضمان التكامل بين البعدين، فالسنوات الماضية حملت مضامين تبدو غنية من المنظور الاقتصادي ولكنها فقيرة تنمويا.


المطلوب في هذا الوقت تحويل الإرادة السياسية بالمراجعة إلى برنامج عمل وطني يكثف الشغل على مبادئ المراجعة من اجل بناء أولويات واضحة للعقد الأردني المقبل، وعلى هذا الأساس تتبلور ست أولويات للمراجعة كالآتي:


أولا، ملف النزاهة الوطنية، لا يعني مراجعة هذا الملف الوقوف عند مسائل الفساد المباشر، بل تشكل مراجعة ملف النزاهة الوطنية الأساس في ضمان كفاءة إدارة الموارد التي تقف فوق كل الاعتبارات وتعد المرجعية الحقيقة للفشل والنجاح والتقدم في كل أنماط ومصادر الموارد من اقتصادية وتنموية واجتماعية وسياسية وثقافية ومعنوية.


آن الوقت للانتقال من المفهوم التقليدي الذي يدور حول الفساد بأشكاله التقليدية الذي اوجد عبر الزمن آلية داخلية للتحصن والتستر والالتفاف والتجاوز، نحو مفهوم النزاهة الوطنية الذي يدور حول توفير آليات المناعة الداخلية بالتمأسس القانوني والتطبيق الصارم؛ بمعنى مراجعة قانونية شاملة ومراجعة للإجراءات القضائية التي تتعلق بهذا الملف إلى جانب  بناء منظومة تشريعية وإجرائية لتوفير مناعة شاملة تحد من سوء إدارة الموارد وتؤسس لمنظومة وطنية في كفاءة إدارة الموارد.


ثانياً: تجديد النخب، توفير مداخل جديدة لتنمية الموارد البشرية على معايير الكفاءة والجدارة؛ فالتصعيد على أكتاف البلاد بعيدا عن ابسط معايير الجدارة والتأهيل أنهك الموارد وعطل قوى التغيير، تجديد النخب لا يشمل المواقع الحكومية وحدها، بل ومؤسسات المجتمع والدولة. فقد عانت الحياة العامة خلال الفترة الماضية من ركود في تكوين النخب والحال يتكرر في الحكومة وفي مؤسسات المجتمع وفي البرلمان وحتى في الأحزاب المتواضعة في إمكانيتها وقدرتها، وكأن الدولة  قد شاخت بالفعل.


ثالثاً: عدالة التنمية، عملت هيمنة المنظور الاقتصادي الصرف على حساب المنظور التنموي خلال السنوات الماضية على تعميق الفجوة بين أقاليم البلاد، ويلمس ذلك في مؤشرات نوعية الحياة وفي البنية التحتية وفي الحقوق الأساسية، وهو الحال الذي تعبر عنه أحوال المحافظات ومئات القرى والبلدات الأردنية، التي ما تزال خارج زمن الاقتصاد الأردني وأرقامه، بالفعل تضاعف الناتج  الوطني الإجمالي وتراجعت نسبة الدين العام من الناتج الوطني نحو ثلاثة إضعاف، إلا ان ذلك لم يفرغ بشكل واضح في نوعية الحياة وفي معدلات الفقر والبنية التحتية.


رابعا، علاقة الدولة بالسوق: تحتاج هذه العلاقة إلى مراجعة دقيقة وصارمة في الوقت نفس هدفها المركزي توفير بيئة ملائمة لازدهار رأس مال وطني، فالتجربة الأردنية خلال أزمات العقد الماضي في علاقة الدولة بالسوق لم تكن سارة في معظم الأوقات، حيث تعاني هذه العلاقة من تشوهات عديدة هي التي تفسر تركز الثروات وقوة الاحتكار وانتقال عدوى أسوأ أمراض السوق الرأسمالية إلى سوق صغيرة ومحدودة.


خامساً، علاقة المجتمع بالدولة: والتي تُعنى بوضوح أهداف الإصلاح السياسي ومنهجيته وشكل الدولة خلال الأجيال الثلاثة المقبلة.


ان علاقة المجتمع بالدولة تفتح الآفاق على القضايا المركزية التي حان الوقت ان تكون قضايا محلية أردنية وبذهنية الدولة المنفتحة التي تحسب تاريخها بمقاييس الحقب الطويلة وليس بمعايير آنية.


المجتمعات والنخب هي التي تؤسس الدول ، والدول بمؤسساتها تعبر عن الحقيقة الاجتماعية القائمة على الأرض عبر مسارها التاريخي الطويل ، والدول هي المعنية باستكمال عملية الصهر الاجتماعي وحماية الهوية وصياغتها المركزية وضمان حق الثقافات الفرعية في التعبير في سياق الهوية المركزية.


سادسا، سياسات جديدة للاستثمار في القيمة التنموية المضافة، ان تسعة عقود من تاريخ التنمية تحتاج لتدوير الاستفادة من الانجازات المتراكمة وتحويلها إلى قيم وفوائد نوعية وكيفية بمعنى اننا لا يمكن ان نستمر بالتراكم من دون تحويله إلى قيم نوعية، على سبيل المثال انجازات التعليم وتنمية الموارد البشرية، انجازات الاستقرار السياسي والأمني، السمعة وقيم النظام السياسي، كل ذلك وغيره يحمل قيمة مضافة قابلة للتوظيف النافع من خلال سياسات جديدة ومبدعة.


حان الوقت لكي نعترف بالفرق بين السياسة والاستراتيجية، لدينا سياسيون كثر، لكن ماذا عن الخبراء الاستراتيجيين، ولدينا صالونات سياسية ومنتديات للنقاش والسجال السياسي، لكن ماذا عن بيوت الخبرة الاستراتيجية والمقصود هنا المؤسسات العامة أو المدنية المستقلة التي تحرص على استقلالها وسمعتها وتدشن ذخيرة معرفية، وتراكم في الخبرات، ما يجعلها بالفعل مرجعيات وطنية. ما حدث، منذ سنوات، أن السياسيين وأشباههم احتلوا المجال العام، وتعاملوا مع الإستراتيجيات بأدوات السياسة، أي مع الأحوال اليومية ما جعل الرؤية أكثر غموضا.


المراجعة الحقيقية هي التي تجدد العقد الاجتماعي وتزيد قوة، وهذه المهمة لا تترك للسياسيين وحدهم أيضا.


[email protected]

تعليق واحد

  1. واما السابعه فهي
    بداية اتفق مع توجهك الفكري العبقري دكتور , وهنا او ان اضيف على ما تقدمت به من اولويات , واليك السابعه من وجهة نظري وهي لا تقل قيمه عن ما خطه قلمك وفاض به فكرك …. الشلل الفكري لدى المسؤلين والذي يرافقه بعض العقم الا اذا تحدث ووجه الملك المسؤلين , الاصل ان كافة دوائر ومؤسسات الدوله وجدت لخدمة المواطن والمصلحه العليا للدوله بكافة اركانها , والاصل في بعض المسؤلين ان يبادر بالفكر الابداعي لجهة خدمة الوطن والمواطن , وان لا يكون مجرد اداة تتلقى التعليمات ويتحرك حين يتحدث ويوجه الملك , هذ يوشر على عقامة الفكر والقياده لبعض المسؤلين بحيث لا يتحركو الا اذا تدخل الملك مباشره في اي امر يتعلق بهم من هموم الوطن , في الاصل ان كافة المسؤلين هم اداة لترجمة فكر الملك وراس الدوله على ارض الواقع وتسهيل انسياب الحياة العامه وتطبيق الاجرائات بما يخدم مصلحة المواطن العليا , من خلال ايجاد الافكار وتطبيق السياسات وخلقها , لا لعرقلتها وتقيديها , عندما ننظر للوضع العام في الاردن نجده كالهرم المقلوب بفعل بعض المسؤلين , بحيث يعتلي الملك قاعدته المقلوبه والحكومه اوسطه والشعب اسفله , وهنا تحجب الرؤيا بسبب الضبابيه الكثيفه التي تشكلت بهذ الفعل , تصتدم احيانا بمسؤل وصانع قرار يعيق الحركه والتقدم بفكره وقلة خبرته مما يمنع المساهمه من المواطن والمشاركه في الحياة العامه , وهنا تخلق الفجوه بين المواطن وراس الدوله الملك , ويحجبها عقم وفكر بعض المسؤلين , بدعاوى ومبررات كثيره , ما يزيد حالة الا مبالاة لدى المواطن في المشاركه في الحياة العامه واحداث التغيير , الاولويه السابعه هي ان ينهض المسؤل من موقعه وينتفض للمساهمه والمساعده في تطبيق فكر الملك وتوجهاته , لا لعرقلتها تحت مسميات وذرائع لا تستساغ ….

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock