أفكار ومواقف

سردية الأردن الحديث..

سائد كراجة

في الفكر الرأسمالي يمكن شراء أي شيء بالمال، لا فرق في ذلك بين القيم والعقارات والموجودات والمبادئ، جريًا على هذا النهج الفكري، وضع حديثو العهد بالسياسة مثل المدلل جاريد كوشنر «نسيب» السيد ترامب نظرية مفادها أن التمكين الاقتصادي للفلسطينيين، وللأردنيين أيضا – باعتبارهم شركاء مصير في هذه القضية ونتائجها- يمكن أن يكون الطريق لإنهاء القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تتعلق بحق الفلسطينيين في الوجود وتقرير المصير إلى قضية مساعدات مالية وعينية لسكان منكوبةٍ أصابهم زلزال أو فيضان! وأن التمكين الاقتصادي لهؤلاء ينهي القضية الفلسطينية.

هذا التصور الاقتصادي الرأسمالي لإنهاء القضية الفلسطينية طُرح في صفقة القرن بطرح مشاريع اقتصادية ومساعدات للدول المعنية، والأدهى أن المشاريع والمبالغ المطروحة والمعروضة على الفلسطينيين والأردنيين كانت سخيفة وهزلية أيضا!

في خطاب العرش أمام مجلس الأمة أشار جلالة الملك لفشل ورفض هذا المسار وقال: إن التمكين الاقتصادي ليس بديلا عن الحل السياسي، وهذه رسالة واضحة ومهمة على مشارف تشكيل حكومة نتنياهو لقطع الطريق أمام أي محاولات لتجاوز أن الحل العادل للقضية الفلسطينية ليس عبر المساعدات الإنسانية بل – كما قال جلالة الملك في خطاب العرش- «بحل عادل وشامل يبدأ بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية»، كما وقد أضاف: «ولأننا الأقرب إليهم سنعمل على أن يكون- أي الفلسطينيين- شركاء أساسيين في المشاريع الإقليمية ولا نقبل تهميشهم، ونجدد تأكيدنا على أن التمكين الاقتصادي ليس بديلا عن الحل السياسي».

والبعض يتساءل: على ماذا يعتمد الأردن في هذه المواقف التي تعتبر في هذه الأيام سباحة ضد التيار، ويتخوف البعض من أن الأردن دفع وقد يدفع ثمنا باهظا لها، ورغم أن التساؤل مشروع إلا أن الإجابة كانت واضحة في خطاب جلالة الملك، يعتمد الأردن في هذه المواقف على رؤية وتصور وسردية لمستقبل الأردن كما يراه ويعمل له جلالة الملك وقد وضع أسسه وأهدافه خطاب العرش، وهو سرد وطني قوامه الأردن الحديث، لخدمة أجيال الحاضر والمستقبل تحقيقا لطموحات شعبنا وتطلعاته، حيث يكون التحديث الشامل مشروعا وطنيا كبيرا تدور حوله كل الأهداف الوطنية، وبحيث تكون الرؤية الاقتصادية ملزمة للحكومات ومعيار قياس أدائها والتزامها بما يشمل تحديث المسار السياسي والاقتصادي بإدارة عامة كفؤة، كل هذا يعمل تحت شعار سيادة القانون الذي يطبق على الجميع ومن أجل الجميع ويكون كل ذلك في خدمة التنمية والإسهام في إيجاد قيادات جديدة لها حضور فاعل، وإن هذا الأردن الحديث الجديد هو أردن الشباب بطموحهم الذي لا حدود له وعزيمتهم التي لا تلين، يحمي كل ذلك جبهة دخلية متضامنة من القيادة والشعب والجيش العربي والأجهزة الأمنية من أجل الأردن الأعز والأقوى.

غالبا ما تحدث المنظرون السياسيون في الأردن عن غياب سرد للدولة يُعتَمَدُ كمحفز وطني عاطفي عقلاني، فيه رؤية وخطة وقيم وأهداف يسعى الجميع إلى اعتبارها إطار عمل وطني ويسعى كل في مجاله إلى تحقيقه وأعتقد أن ماورد في خطاب العرش يمكن أن يخدم السردية المطلوبة للأردن الحديث الساعي للتحديث!

وأعتقد أن خطاب العرش مثَّل الإرادة السياسية الواضحة المنحازة للإصلاح كهدف وعقيدة خدمة للمواطنين وتحقيقا لرفاههم، كما وضع خطاب العرش معيارا لأداء الحكومات ومحاسبتها، وفي ذلك طرح أساسي لمنهج العمل الذي يقوم على مكافأة المحسن وتحييد المقصر كنهج عمل، وأن ما يبقى هو أن تنهض الحكومات والمؤسسات لتحقيق هذا السرد وهذه الرؤية للأردن الحديث وقد حان الوقت أن نفكر أيضا في أدوات تفكيرنا وتحليلنا وعقلنا السياسي من أجل تحقيق القطيعة مع المنهج والأسلوب والآلية التي كنا نعتمدها والتي أوصلتنا لما نحن عليه، وإن هذا التجديد في الفكر وآلياته مهم أكثر ما هو مهم للشباب، حيث التجديد والتحديث ميزتهم وعنوانهم الأوضح!

أعرف بمَ يفكر البعض، وأعرف عبارات التشكيك والمخاوف، وأستعملها بين الحين والآخر، ولكن هل ممكن أن نتفق على نقطة بداية من هذا الخطاب وأن ننخرط في رؤية وطنية بسرد وطني ومصارحة وطنية على ما ورد في خطاب العرش من أسس وأن نعيش هذا الخطاب كوثيقة وطنية تجمعنا جميعا لنذهب إلى وطن حديث حيث المواطنة والمساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص في كل مخرجات التنمية وخاصة في التعليم والصحة والمواصلات! فكر فيها مش صعبة جنابك!

المقال السابق للكاتب 

عودة نتنياهو.. قراءة أردنية

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock