تمويل اسلامي

سرّي وغير مكتوم!! (2)

د.يزن العطيات*

تناولنا في المقال السابق بعض الأمثلة العملية التي تدل على انحراف الواقع العملي لتطبيقات المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية عن روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
وقد لاحظت تباينا في ردود الأفعال من قبل بعض المعنيين في المصارف الإسلامية؛ منها ما كان مؤيدا وبشدة على اعتبار أن ما ورد ما هو إلا بيان لبعض من الواقع، ومنها ما كان معارضا وبشدة على اعتبار أن ما ورد يعد تشكيكا واتهاما -حسب فهمهم- لمسيرة العمل المصرفي الإسلامي عموما.
وأقول هنا إن العمل المصرفي الإسلامي قد تجاوز مرحلة النشأة والتأسيس ودخل في مرحلة التطور والانتشار والمنافسة على الصعيد العالمي، وهذا يحتم علينا جميعا ضرورة تنقيح وتصحيح التطبيقات العملية كافة بكل شفافية ووضوح، ومن خلال الوسائل كافة والسبل المتاحة لذلك كي نسهم في تطور وانتشار مؤسساتنا المالية والمصرفية الإسلامية، بعيدا عن التشكيك والاتهام الشخصي؛ فالعمل المصرفي الإسلامي أكبر بكثير من أن ينحصر في أشخاص أو مؤسسات أو حتى دول.
واستكمالا لما أوردناه سابقا، فإننا سنوجه رسائل خاصة لكل من محافظي البنوك المركزية ومجالس إدارات المصارف الإسلامية وهيئات الرقابة الشرعية التابعة لها والعاملين فيها والمتعاملين معها وعلى النحو التالي:
– إلى “محافظ البنك المركزي”: إن خصوصية المصارف الإسلامية نابعة من كونها ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، لذا فإن ضمان هذا الالتزام يستوجب تفعيل الدور الرقابي للبنك المركزي من خلال استحداث هيئة رقابة وتدقيق شرعي تعنى بضمان سلامة أعمال المصارف الإسلامية كافة من الناحية الشرعية وفق الراجح من أقوال المذاهب المعتمدة وقرارات المجامع الفقهية والمعايير الشرعية وبعيدا عن الآراء الفردية والأقوال الشاذة بما يحفظ للعمل المصرفي الإسلامي الاستقرار والنمو والريادة.
– “أصحاب المعالي والسماحة والفضيلة أعضاء هيئات الفتوى والرقابة الشرعية في المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية”: أنتم علماؤنا وأساتذتنا وقدوتنا، وفضلكم لا ينكره إلا جاحد ظلوم، ولكن إن كانت مؤسساتنا تحوم حول الحمى في أحوال الاختيار والسعة، فما حالها بالله عليكم في ظروف العسرة والشدة؟ إنّ أملنا بكم أن تقودوا مسيرة التحول نحو العدالة والتنمية الاقتصادية من خلال موقف حازم ضد الصيغ والعقود كافة التي تسهم في توسع قاعدة المديونية التي لا تزيد الفقير إلا فقرا والطين إلا بلة!!
– “المديرون العامون والرؤساء التنفيذيون ونوابهم ومساعدوهم”: إن ما حققته المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية من نجاح ونمو متزايد لأكبر دليل على حصافتكم وحكمتكم في الإدارة، إلا أننا الآن لم نعد نسعى للظهور والاعتراف من قبل الآخرين، وإنما نطمح إلى التوسع والانتشار بأدوات استثمارية حقيقية تسهم في النمو المستدام وتجنبنا شرور الأزمات والانتكاسات المالية المعهودة، لذا فالفرصة بأيديكم لتتركوا للمجتمعات أولا ولأنفسكم ثانيا بصمة واضحة في الانتقال والتحول نحو مرحلة جديدة ومتميزة في العمل المالي والمصرفي الإسلامي، واعلموا أن المناصب لن تدوم؛ لا سيما والرؤوس تتخطف من حولكم، وما أنتم بماكثين أكثر ممن خُلعَ ولا بأقوى ممن يتهاوى، والحق أحق أن يتَّبع.
– أما رسالتي “للمتعاملين مع المؤسسات المالية الإسلامية” عموما وفي كل أنحاء العالم، فهي أننا رأينا بأعيننا وسمعنا بآذاننا من تلبَّس بثوب الإسلام وسفك به الدماء واستحلَّ به الحرمات، لذا فلا تستهجنوا ولا تستغربوا أن يُلبس الثوب نفسه لما هو أدنى من ذلك من أكل لأموال الناس بالباطل وامتصاص لدمائهم باسم الفقه الإسلامي والضوابط الشرعية، واعلموا عمّن تأخذون دينكم فلا تغرنكم الأشكال والمظاهر وتحرّوا لدينكم ما تتحرون لدنياكم، وكونوا كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين بقوله: “المؤمن كيِّسٌ فَطِن”.

*مدير برنامج المصارف الإسلامية/الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock